الحركـــــة العماليــــــة: أفـاقهـــــا!

3

سامان كريم

Zaryak@yahoo.com

ركزنا في الحزء الثاني من هذه السلسلة على الحركة العمالية في العراق وفي ظل السيناريو الأسود، وعلى التيارات الاجتماعية او الميول السياسية داخل هذه الحركة وتأثيرات هذه الميول على نهوضها. وقلنا في الحزء الاول في العدد 79 من " الى الامام"  إن لدى هذه الحركة " قادتها في حالتها الموجودة، وقلنا لديها شكل من اشكال التنظيمات سواء كان بدائية او متطورة و قلنا لديها ايضا ميول او تيارات سياسية اجتماعية مختلفة تتفاعل وتؤثر على الحالة النضالية لطبقتنا، التي بحثناها في الجزء الثاني في العدد 80 من "الى الامام"" بغض النظر عن وجود الحزب او تنظيماته الجماهيرية. في هذا الجزء اي الجزء الثالث نتحدث عن الأشكال التنظيمة والتقاليد النضالية التي افرزتها هذه الحركة في مجرى نضالها ضد النظام الرأسمالي وحكوماتها المتعاقبة، ونتحدث أيضا عن الشكل الذي يستوجب على قادة هذه الحركة ان يتمسكوا به في سبيل النهوض بحركتهم نحو الامام.

قلنا وركزنا على مفهوم السيناريو الاسود، بمعنى تفكك البنية الاجتماعية، واليأس و الفقر....الخ. أن اول ضربة توجهه هذه الاوضاغ ضد الحركة العمالية هو ضربتها ضد البنية الموضوعية والواقعية للحركة العمالية و للطبقة العاملة ككل في ميدان تنظيم صفوفها، سواء كانت تنظيمات صغيرة غير حزبية للقادة العماليين و الشبكات العمالية او لتنظيمات جماهيرية للعمال مثل النقابات و الاتحادات النقابية و المجالس واتحادات المجالس و ايضا التنظيم الحزبي اي التنظيمات الشيوعية العمالية داخل الصفوف الطليعية لهذه الحركة. هذه المسألة مسالة موضوعية، تنبع من واقع السيناريو الاسود. لكن كيف تؤثر اوضاع سيناريو الاسود على البنية التنظيمة  للطبقة العاملة. ان تأثير هذه الأوضاع على تنظيم الطبقة له ابعاد مختلفة و بإتجاهات مختلفة وكالأتي:

أولاَ: إن الياس وعدم الاجابة على القضايا المطروحة اجتماعيا، و عدم رؤية واضحة للمستقبل، وظهور حالات عجيبة في جسم المجتمع والطبقة، مثل دور ميليشيات الاسلام السياسي داخل المعامل و المؤسسات العمالية، ودور هذه الميليشيات على صعيد المجتمع...الخ. تؤدي كلها الى توجه العمال نحو حالة اللاتنظيم. أن الأمل بالمستقبل و الأمل بالتغيير هو الذي يحول المجتمع والعمال بصورة عامة نحو تنظيم أنفسهم في سبيل تغيير الواقع الموجود. الياس يحول الناس الى التشرذم وعدم الاتحاد، لانهم ببساطة ليس لديهم امل ما في التغيير لصالح طبقتهم وحركتهم.

ثانياَ: إغلاق المعامل و المصانع: أن إغلاق المعامل و المصانع هي سمة مميزة لهذه الاوضاع، لإنها مبنية على عشوائية وليس مبنية على سياسة إقتصادية واضحة. إن إغلاق اكثرية مصانع و معامل وزراة الصناعة سواء كان عن طريق الإغلاق المباشر او عن طريق سياسة التمويل الذاتي و أغلاق الألاف من المعامل الصغيرة والمتوسطة  في القطاع الخاص نظرأ للظروف الامنية. كل هذا أدى الى إخراج جيش من العمال و تشكيل جيش جديد من العاطلين عن العمل، جيش يتعدى من حيث العدد، الذين لديهم عمل في المعامل والمؤسسات. هذه الظاهرة في العراق ادت الى تفكيك البنية والتركيبة التنظيمية للطبقة، سواء كان على صعيد القادة العماليين او على صعيد العلاقات التنظيمة الاجتماعية المعملية أو المؤسساتية، وذلك من خلال قذفهم خارج عملية الانتاج. إن العاطل عن العمل له خصوصياته وتنظيمه الخاص به. هذه الظاهرة عصيبة على الطبقة العاملة وحركتها نظرا لعزل قادة الطبقة عن بنيتهم الاساسية، وعلاقاتهم اليومية والمتواصلة مع باقي العمال في المصانع والمعامل و خصوصا ان المحلات العمالية ولَىً زمنها في العراق على الاقل.

ثالثا: الخوف من التنظيم: ليس الخوف بمعناه الفردي اي بمعنى خوف إنسان ما من قوة ما، بل الخوف الاجتماعي الذي ساد في اجواء العراق بصورة عامة بعد الاطاحة بالنظام السابق ، خوف من القوى الوحشية التي لاتعرف سوى القتل، القتل على الهوية، القتل العشوائي ، القتل في سبيل التسليب ، القتل في سبيل فرض اجواء من الذعر المنظم والمتواصل. لان التنظيم أساسا توجه لهؤلاء المجرمين المنظمين والمساندين من قبل القوى الحاكمة و المعارضة الاسلامية والقومية. لأن ليس لديهم إسلوب وركيزة غير التدمير والقتل الجماعي والفردي وفرض ابشع انواع التقاليد الرجعية التي لاتمت بصلة بمجتمع متحضر.

رابعاَ: معيشة العامل رهن بوجوده مع الميليشيات المقتدرة: المجتمع بكامله من الموظفين الصغار والكبار الى الشرطي و الضابط  و وضباط الركن حالتهم ومعيشتهم وامنهم تراتب وظيفتهم مرهونة بوجودهم او بانضمامهم الى احدى القوى المقتدرة سوا كانت القوى الحاكمة في السلطة او المعارضة مثل التيار الصدري. هذه اهم نقطة التي تؤثر تأثيرا أجتماعيا سلبياَ على حالة الطبقة العاملة و العامل كأنسان له عائلته في صفوف هذه الطبقة. مادام معيشة العامل و امنه وحتى بقائه في عمله مرهون بقربه او إنضمامه الى احدى القوى الميليشياتية، إذن من الناحية الواقعية الواقع الذي ينتج الياس يتجه نحو تلك القوى وذلك لبقاءه فيزيكيا و في سبيل امرار معاشه وعائلته ايضا. حينذاك ان جلبه نحو تنظيم نفسه في المنظمات العمالية سيكون أصعب بكثير مقارنة بالاوضاع العادية و المستقرة أو المستقرة نسبياً.

بعد تشخيص هذه الحالة نرجع الى التقاليد التنظيمية التي كانت الحركة العمالية وقادتها لها تجربة معها.

أولا: أن الحركة النقابية و وجود النقابات في صفوف الطبقة وحركتها: هذ النوع من التنظيم كان سائد نظرا للقوى المساندة والداعمة لها على الصعيد العالمي والمحلي. كانت ظاهرة النقابات ليس ظاهرة عفوية في العراق بل كانت سياسة موجه من قبل الاحزاب الوطنية في الثلاثينيات بالتحديد و من ثم الحزب الشيوعي العراقي كجزء من هذه القوى ومن ثم كقوة شد داخل هذه الحركة. كانت مهام تلك النقابات هي أساسا مهمام سياسية من قبل تلك القوى وهي طرد  الاستعمار البريطاني و النضال في سبيل بناء الجمهورية، لكن تحولت هذه الحالة الى نضالات عمالية جبارة في تلك الحقبة والتي تلتها. لكن في بداية نمو هذه الحركة كانت مقيدة بنظام فكري وسياسي محدد ومعين لايتعدى الاصلاحات السياسية و الاقتصادية في ظل النظام السائد  آنذاك وحتى سقوط الملكية. إن سقوط الملكية ادى بدوره الى ضعف النقابات العمالية الموجودة. لكن منذ مجئ النظام البعثي القومي الى سدة  الحكم، تحولت النقابات الى أداة بايدي هذه السلطة سواء كان عن طريق سن بعض القوانين مثل قانون العمل 151 او قانون الضمان الاجتماعي 39...الخ او عن طريق إلقاء القبض على صف واسع من قادة هذه الحركة، و زجهم في السجون .. سياسة  كانت نتيجتها إحتواء هذه الحركة.  

ثانيا: الشبكات او الحركات الخارجة عن النقابات: بموازاة الحركة النقابية، كانت هناك دوما وبشكل متواصل ومستمر حركة وقادة وتنظيمات اخرى، التي تمثل الشيوعية العمالية او شيوعية ماركس. تلك الحركة التي ظهرت في العهد الملكي و ظهرت في عهد البعث ايضا  . ظهرت في إضراب سكك البصرة وكاورباغي في كركوك وظهرت ايضا في حركة اضراب النسيج في سنة 1994 في الناصرية ومعمل البلاستيك في تكريت و الزيوت في 1968ايضا... هذه الحركات التي كانت موجودة وكان ورائها القادة الطليعين الواقعيين للطبقة العاملة وحركتها ولكن في شكل بدائي لتنظيم لا يتعدى شكلا حلقيا مؤقتا بين عدد من القادة المرحليين للحركة العمالبة. هذه التنظيمات هي تنظيمات غير جماهيرية بالمعنى المالوف ولكن لديها كل مقومات الاساسية والاجتماعية  لتكون هكذا، نظرا لانها أدت واجبها بأحسن شكل وفي احلك الظروف. اي قيادة جزء من الحركة العمالية في مصنع او معمل ما، وهذا هو اهم ركن من أركان النضال للتنظيمات الجماهيرية للطبقة العاملة. لكن حتى في ظل التنظيمات الجماهيرية السائدة ، الذي يقرر على تحريك الطبقة وقطاعاتها المختلفة هم القادة العماليين و ليس الجمعيات العمومية او التحشدات العامة العمالية، وحتى في النقابات والاتحادات في البلدان الاوروبية، فان القادة هم الذين يحركون طبقتهم خارج اطار نقاباتهم. هذه الاشكال بمختلف تلاوينها لم ترتقي الى الحالة السائدة داخل الحركة العمالية، ولم ترتقي الى حالة منظمة متواصلة ومنظمة نظراً للاوضاع القمعية التي سادت في مرحلة حكم النظام القومي البعثي و من ثم في ظل اوضاع السيناريو الاسود. في هذه المرحلة وبمباردة من حزبنا، شكل اتحاد المجالس و بعده شكل الاتحاد العام للمجالس. ولكن هذين الاتحادين لحد الان لم يرتقيا الى حالة قيادية تنظم وتقود الحركة العمالية من جانب ومن الجانب الاخر ان البنية الاساسية لهذه الاتحادات لحد الان هي بنية هشة ونقابية بعيدة عن تنظيم الطبقة و توحيد حركتها وفق هذه المرحلة و اليات عملها، وجرها نحو حركة مقتدرة. لكن لديهما مقومات تغيير نحو هذا الهدف.

برايي أن المرحلة الراهنة، هي مرحلة في غاية الصعوبة نظرا للاوضاع التي بحثناها اعلاه وفي الجزئين السابقين. عليه ان الخطوة الاولى نحو تنظيم الحركة العمالية وتوحيدها تبدأ من القادة العماليين. هؤلاء القادة الموجودين حاليا، القادة الذين لا يشترط ان يكون لديهم خبرة طويلة داخل الحركة و تنظيماتها، ليس شرطا ان تكون له خبرة وخدمة في صفوف طبقته، بل الشرط الوحيد هو التقليد النضالي الذي لا بد ان يميزه عن باقي رفاقه وباقي العمال في قطاع ما او معمل ما. هذه نقطة و النقطة الاخرى هي ماهي اولوياتنا داخل صفوف طبقتنا ؟! اي قطاع هو الاهم؟ برايي ان اولوياتنا يجب ان نركز على القطاع النفطي نظرا لمزايا هذا القطاع من الاهمية الاقتصادية للبلد من جانب ومن جانب اخر استمرار الانتاج فيه على رغم كل الظروف التي بحثاناها، ووجود عدد كبير من العمال داخل هذا القطاع.

أن تنظيم حركة طبقتنا يبدأ بعدد من العمال الطليعين في كل معمل او مصنع او مؤسسة عمالية. هؤلاء القادة هم موجودين فعلا سواء كان داخل الاتحادين المجالسين او خارجهما. إذن المهم هو تنظيمهم وفق الظرف الحالي وبما يتناسب مع هذا الظرف. ليس شرطا ان نبدا بمعمل او مصنع او قطاع ما بل من المهم ان نبدا بجمع من القادة الذين لديهم رؤية واضحة حول الحركة العمالية في هذه المرحلة، هؤلاء القادة الذين قطعوا صلتهم بالحركة النقابية من ناحية الافق السياسي و التنظيمي و تقاليدها النضالية. هؤلاء القادة المنسجمين حول افق هذه الحركة و برامجها الانية والمستقبلية. هؤلاء القادة الذين لديهم لائحة وبرنامج عمل واضح لدفع الحركة العمالية و النهوض بها نحو توحيد صفوفها. ان الشكل الذي بامكانه ان يتوسع وان يكون سائدا وسهل التناول للعمال هو "اللجان المعملية" على الصعيد العام او "لجنة المعمل" على صعيد معمل او مصنع ما. هذه اللجان يمكنها ان تبدا بثلاثة من القادة العماليين أو أكثر، اثنين من القادة العمالين على صعيد معمل ما مع ناشط عمالي معروف لدى هذا القطاع. عدد أعضاء هذه اللجان ليس محددا وخصوصا في البداية. وظيفة هذه اللجان في كل معمل او مصنع هي : توحيد العمال حول لائحة عمل واضحة لعمال هذا المعمل او ذاك. إن تواصل هذه اللجان مع العمال في معمل او مصنع ما يختلف من قطاع الى اخر، واليات عملهم يختلف ايضا تبعا للظروف السائدة. من الممكن ان تبدا بعض اللجان بجمع عدد من العمال في معمل ما، لشرح مهمامهم واهدافهم، وفي مضنع اخر يمكن ان يبدأوا بتوزيع نشرة عمالية كورقة واحدة في كل إسبوع، او من الممكن ان يؤدون الوظيفتين معاَ.... الخ. أن الهدف المرحلي لهذه اللجان هو وصولهم الى البنية التنظيمة العمالية وهي التجمعات العامة ولكن عملهم ووظيفتهم لا تبدا من التجمعات نظرا لعدم رسوخ هذا التقليد داخل حركتنا العمالية، ولكن ظاهرة مالوفة وعادية. أن الحزب الشيوعي العمالي و كوادره وأعضائه هم وسيلة لربط هذه اللجان بغض النظر عن مدى إستجابتها لهم في هذا الظرف، وبغض النظر عن وجود العلاقة بين هذه اللجان او لا.

إن التنظيمات الجماهيرية للعمال في هذه المرحلة لا تمرعبر حركاتها بل تمر عبر قادتها الموجودين ومدى إنسجامهم وتماسكهم حول توحيد وتنظيم صفوف حركتهم. إذن لابدا في البداية أن نبدأ من هؤلاء القادة العماليين و محرضي طبقتنا، لكي يتسنى لهذه الحركة ان تتوحد و تتحول حركتهم الى حالة تنظمية جماهيرية واسعة ومقتدرة حول ألاهذاف الحالية و المستقبلية للحركة العمالية.

أن بحثي هذا، ولحد الان لا يتعلق بموقفنا من الحركة النقابية، بل يعتمد على تقليد نضالي مختلف حسب ظرف موضوعي سياسي-اجتماعي والذي تمر به حركتنا. إذن يجب ان لا يستنتج من هذا البحث كخطوة لالغاء اللجان النقابية الموجودة بكثرة، بل علينا ان نتفاعل مع هذه اللجان لانها لجان فقط وليس لديهم اي بنية قوية داخل قطاعاتهم التي تتواجد فيها. في الوقت نفسه علينا ان نكون حذرين ويقظين امام الحركات النقابية الاخرى سوى كانت إسلامية او قومية والموجودة حاليا داخل صفوف حركتنا، علينا ان ننتقدهم بشكل صريح وامام العمال، علينا ان نعرفهم داخل صفوف طبقتنا أنهم جاءوا لكي يحصروا حركتنا في الزوايا الطائفية والقومية تلك النقابات التي اشرنا اليها في الجزء الثاني وقلنا" وأدت بهم هذه المسالة الي تشكيل "الاتحادات والنقابات الصفراء" لإحتواء حركة الطبقة العاملة. حيث شكل التجمع المهني العراقي التابع لمنظمة بدر و مجلس الاعلى، وإتحاد العام لنقابات العمال في عموم العراق التابع لحزب الدعوة واتحاد العام لنقابات العمال المستقل التابع للتيار الصدري أو جماعة راسم العوادي" الإتحاد العام لنقابات عمال العراق" ونقابات عامة في كردستان تابعة للاحزاب القومية الكردية. تلك " النقابات" و"الإتحادات" التي ليس لديها عمل داخل صفوف طبقتنا وحركتنا سوى العمل من اجل شقها و وضع عراقيل قومية وطائفية امام توحيد نفسها ورص صفوفها." علينا ان نقف بوجه تلك الاتحادات والنقابات التي يؤدون دور الميليشيات داخل صفوف حركتنا. في الجزء الرابع من هذه السلسة نتحدث عن القادة العماليين و دورهم و خصائصهم بصورة عامة وفي هذه المرحلة ايضا.15.7.2008