الحركة العمالية: افاقها
4
سامان كريم
Zaryak@yahoo.com
تحدثنا في الحلقات السابقة من
البحث، حول الخصائص البنيوية
لطبقتنا وتأثير السيناريو
الاسود على هذه الخصائص.
وقلنا إن المحور الرئيسي في
أوضاع السيناريو الاسود هو:
الياٍس، الفقر، الجهل بما
يجري على الصعيد الاجتماعي،
واهم من هذ كله عدم وجود دولة
وحكومة. قلنا في الحلقة
الاولى في العدد 79 من " الى
الامام" إن لدى هذه الحركة "
قادتها في حالتها الراهنة،
لديها شكل من اشكال التنظيمات
سواء كان بدائيا او متطورا و
لديها ايضا ميول او تيارات
سياسية واجتماعية مختلفة
تتفاعل وتؤثر على الحالة
النضالية لطبقتنا" بغض النظر
عن وجود حزب او تنظيماته
الجماهيرية. وتحدثنا في
العدديين السابقين 80-81 "
الى الامام " عن التيارات
والميول السياسية والاجتماعية
في صفوف الحركة العمالية في
العراق و تحدثنا عن الأشكال
التنظيمية التي تجسدها الحركة
في خضم نضالاتها الطبقية و
الأشكال التي يستوجب إتخاذها
من قبل قادة و طليعي الحركة
العمالية في العراق في هذه
المرحلة من أجل النهوض
بالحركة العمالية .
في هذه الحلقة سوف نتحدث عن
قادة الحركة العمالية كماهم
موجودين بالفعل ولديهم حضور
نضالي في خضم هذه الاوضاع
العصيبة" السيناريو الاسود".
قلنا ان احد خصائص الطبقة
العاملة وحركتها، هو امتلاكها
قادة في كل لحظة وكل مرحلة
من مراحل نضالها. وتاريخيا
كان لدى حركة طبقتنا قادة
معروفين نسبيا على صعيد
البلاد، حكمت كوتاني الذي كان
عضوا قياديا في حزبنا مثلا،
أراء خاجادور الموجود لحد
الان ... وهم قادة نقابيين
معروفين على صعيد الحركة
العمالية في العراق في حقبة
الستينات و السبعينات ولهم
دورهم الريادي المعروف. لكن
الحركة العمالية و حسب
الاوضاع التي تمر بها من
ناحية قواها ومقدرتها ، نفوذ
ومقدرة الشيوعية العمالية،
الاوضاع السياسية و
االأجتماعية العامة التي تحيط
بالمجتمع... كل هذه المسائل،
تؤثر على الحركة العمالية و
درجة تحركها، من ثم تؤثر على
دور القادة و نوعية القادة
التي تفرزها كل مرحلة من
مراحل تطور الحركة. أي ان
الاوضاع الاجتماعية والسياسية
والأمنية من جانب ومقدرة
الشيوعية العمالية و الحركات
التقدمية والتحررية الاخرى من
جانب اخر لها دور موضوعي في
ظهور القادة العماليين ودرجة
حضورهم السياسي والاجتماعي.
إن قادة الحركة العمالية، سوى
كان حضورهم السياسي
والاجتماعي على صعيد البلاد
اوعلى صعيد محافظة او منطقة
ما، او يصل الى أدناها في
معمل او مؤسسة او مصنع ما أو
في احدى القطاعات العمالية،
يرتبط إرتباطاَ مباشراً
بالظروف السياسية التي تحيط
بالمجتمع و مقدرة الشيوعية
العمالية وحزبها في تلك
الظروف. في عراق اليوم وفي ظل
الاوضاع الماساوية و سيادة
قانون الميليشيات الحزبية
البرجوازية على صعيد البلاد
من جانب ومن جانب أخر وكاحد
إفرزات تلك الاوضاع تراجع
الحركة العمالية و احتجاجاتها
إلى الحالات الدفاعية وفي
ادنى مستوياتها تؤثر بشكل
كبير على دور القادة
العماليين من جانب وعلى
ظهورهم و مدى إرتباطهم المنظم
بالعمال وتوجيههم من جانب أخر
وتؤثر على إختفائهم بسرعة
ايضا. وهذه قضية إجتماعية و
موضوعية كما بحثناها في
الحلقة السابقة.
قلنا في الحلقات السابقة، إن
الحركة العمالية و منذ اربعين
سنة تواجه أسوء ما تواجه
الحركة العمالية، من ناحية
الإستبداد السياسي و القوانين
الرجعية و الحروب المستمرة
والمتواصلة المدمرة التي حولت
المجتمع في العراق إلى ألة
لتوليد العسكر والمصانع الى
التصنيع العسكري والقرارات
الجائرة التي صدرت من قبل
الحكومة القومية البعثية ضد
الطبقة العاملة ومنها تحويل
العمال الى الموظفين... بعد
ذلك وبعد إجتياح الكويت ومن
ثم الحرب الامريكية الشرسة ضد
المجتمع في العراق و القرارات
الجائرة ومنها قرار الحصار
الاقتصادي الرجعي واللانساني
من قبل أمريكا وحلفائها، أثرت
على حالة طبقتنا من الناحية
المعيشية والسياسية ومدى
تماسكها كطبقة من جانب
والعلاقة بين قادة الحركة
والعمال بصورة عامة في تلك
الظروف الماساوية، مع إستبداد
منظم ومستمر من جانب أخر.
وعدم وجود اي قوانين تدافع عن
حقوق العمال وفي ظل أوضاع
عالمية ماساوية وراء سقوط"
الشيوعية البرجوزاية المتمثلة
بالاتحاد السوفيتي السابق"
التي أدت بدورها الى قلة
التضامن الطبقي على الصعيد
العالمي مع العمال في العراق.
حيث نرى عدد من البرقيات و
الرسائل التضامنية مع طبقتنا
في العراق من جراء النضال
المستمر لتنظيمات الخارج
للحزب الشيوعي العمالي
العراقي، في تلك الحقبة.كل
هذه الأوضاع أثرت بشكل جدي
وكبير على دور قادة الحركة
العمالية في العراق.
بعد مجئ البعث الى السلطة منذ
1968 نحن لانرى ظهور قادة جدد
على صعيد البلاد. نحن نشاهد
عملية أحتواء الصف الطليعي
لطبقتنا من قبل حكومة البعث
من خلال القوانين التي صدرت
في سنوات 1970-1973 ومنها
قانون العمل و قانون الضمان
الاجتماعي... ومن ثم وبعد
تثبيت البعث سلطته جراء هذه
الإصلاحات و توافقها مع الحزب
الديمقراطي الكردستاني والحزب
الشيوعي... بدأ الاستبداد
بشكل سافر واول ما بدا به
البعث هو هؤلاء القادة
العماليين الذين لديهم نفوذ
داخل صفوف قطاعات مختلفة من
الحركة العمالية. وهذا ادى
بدوره الى خلاء الصف الطليعي
من قادة عماليين ذو خبرة
تاريخية متراكمة وبقي هذا
الصف بدون قادة مخضرمين على
صعيد البلاد و لحد الان. بعد
بدا الحرب على ايران وتحويل
المجتمع الى معسكر كامل
والمصانع الى نظام عسكري شامل
تراجعت الحركة العمالية الى
ادنى مستوياتها، حيث نرى
احتجاجات صامتة ومغلقة فقط"
اي داخل معمل او مصنع واحد
ويتم سحقها بقوة"، نرى في هذه
المرحلة من تاريخ حركتنا ظهور
نوع من القادة الجدد على صعيد
معمل او مصنع ما فقط. قادة
ليس لهم خبرة نضالية
وتنظيمية، قادة فرض عليهم ان
يكونوا قادة. وفي العقد الذي
تلاه اي التسعينات تم سحق
حركتنا سواء من قبل الإستبداد
البعثي او جراء الحصار
الاقتصادي أو جراء الفقر
والجوع على مديات واسعة، أن
طبقتنا وحركتنا في تلك
المرحلة واجهت البرجوازية
العاليمة بكاملها وقوتها
وعددها. عاشت طبقتنا وحركتنا
في تلك الحقبة اسوء ما ان
يقال انها عيش. التي ادت الى
سحقها و تفكيك بنيتها
الاجتماعية وغياب دورها في
الساحة السياسية. حيث وقعت
عليها كارثة كبرى وهي الهجمة
الامريكية الشرسة والاحتلال
الأمريكي، وهي موثوقة الايدي
والعيون وإستلمتها قوات
الاحتلال و الميليشيات
البرجوازية.
منذ الاحتلال وسيطرة
الميلشيات الاسلامية والقومية
والعشائرية على مقدرات الوضع
ومصيره، غابت حركتنا كحركة
سياسة منظمة متواصلة لها
حضورها السياسي ضد الوضع
الموجود. حيث لها ظهور طفيف و
قليل في السنة الماضية وضد
قانون التمويل الذاتي... نرى
احتجاجات عمالية هنا وهناك في
القطاعات العمالية التابعة
لوزراة الصناعة، وتهديدات من
قبل عمال نفط الجنوب... ولكن
هذه الاحتجاجات كلها دفاعية
ولم يتم باعداد كبيرة وواسعة
وليست متواصلة و منظمة إلا
نادراً. في هذ المرحلة وجراء
سحق تأريخي لجيلين من قادة
حركتنا نرى أن الصف الطليعي
القديم الباقي لحد الان في
المعامل و المصانع لهذه
الحركة لا زال يشم رائحة
الماضي من ناحية إلاسلوب و
التقليد النضالي، اي
النقابوية و يتحركون في
سياقها و أطارها. اما القادة
الجدد لحد الان لم يظهروا
ملامحهم بصورة واضحة من ناحية
اساليبهم وتقاليدهم النضالية.
خصوصا نحن نرى هجمات متواصلة
على طبقتنا في هذه المرحلة من
الناحية السياسية والاجتماعية
والاقتصادية. حيث التمويل
الذاتي الذي عطل اكثر من
ستمائة الف عامل خلال اربع
سنوات الماضية و لحد 1/6/2008
والحالة الامنية جراء الصراع
الارهابي الدموي والصراع
الطائفي الدموي بين الاطراف
الاسلامية وامريكا و القومية
والاسلامية من جانب اخر... في
هذه المرحلة التي جمعت اكثرية
القادة العماليين بغض النظر
عن ميولهم السياسية والحزبية
داخل اللجان النقابية في
مؤسسات عمالية كبيرة مثل
النفط مثلا، أصبحت معيشة
العمال و بقائهم في مواقع
عملهم و أمرار معاش عوائلهم
كلها مرهونة بقربهم من احدى
الميليشيات الكبيرة سواء كان
في السلطة او خارج عنها. ليس
هذا فحسب بل ان بقائهم من
الناحية الفيزيكية مرتبطة
بوجودهم مع تلك الميليشيات.
هذا ادى الى خلق نوع من
الميول داخل الحركة العمالية
وهي غريبة في جسمها من كافة
النواحي، مثل الميول الطائفية
الاسلامية واتجاهاتها
السياسية المختلفة. هذا
الواقع ادى الى اضعاف نفوذ
القادة العماليين من جانب او
إن ظهور قادة جدد وبمزايا
قادة عماليين أصبح صعبا
لغاية. حيث اصبحت نقابات
كثيرة تابعة لتلك الميليشيات
وهناك عدة اتحادات تحت إسم
العمال تابعة لتلك الميليشيات
التي ليس لديهم عمل سوى شق
صفوف الطبقة العاملة ، كسر
وشق حركتهم النضالية تحت
لائحات طائفية إسلامية-سياسية
و قومية. هذا الشرخ الكبير
في صفوف الحركة العمالية ادى
الى اضعاف تماسكها الطبقي،
وضعف احتجاجاتها نظراً لتأثير
تلك الحالة الطائفية والقومية
في ظل سيطرة الميليشيات على
مقدرات المعيشة والامن. هذا
بدوره أدى إلى قلة ظهور
القادة العماليين الجدد بطراز
قائد عمالي ، الذين يدافعون
عن هموم طبقتهم و مطالب
حركتهم. واقع حال الحركة
العمالية في العراق، هو سيطرة
افكار طائفية سياسية و قومية
على عقول العمال بصورة عامة،
نظراً للظروف التي بحثناها
اعلاه وفي الحلقات السابقة.
وهذه القضية ادت بطبيعة الحال
الى قلة الوعي الطبقي في صفوف
العمال و حركتهم النضالية،
وهذا بدور يؤثر على ظهور قادة
جدد بالمزايا النضالية
والطبقية المعروفة.
ليس هناك طريقة اخرى و مسلك
أخر غير تسليح الصف الطليعي
لطبقتنا بضرب تلك الاوهام
الطائفية و القومية، ضربها
برؤية سياسة انتقادية واضحة،
ضربها كافيون و كمخدر تستخدم
لضرب الحركة العمالية و
قادتها وحزبها، من قبل
البرجوزاية كطبقة، من خلال
تياراتها المختلفة القومية
والاسلام السياسي و بمساندة
مباشرة من الاحتلال الامريكي.
أن تطويق و تحجيم الحركة
العمالية وتحويلها الى حركة
هامشية في المجتمع، هو من صلب
السياسة البرجوزاية بصورة
عامة، وحسب مقدرة طبقتنا في
اي بلد تتحرك البرجوازية على
اساسها. في العراق اجتمعت
واتفقت كافة القوى البرجوازية
القومية منها و الاسلام
السياسي وبمساعدة الاحتلال و
المؤسسات البرجوزاية العالمية
مثل بنك و صندوق النقد
الدوليين... على تطويق وتحجيم
دور الطبقة العاملة و حركتها
في زاويا قومية و طائفية
وذلك لتمرير مشاريعها
السياسية الرجعية وشق الطبقة
العاملة و الأنسان في العراق
على أساس الطوائف والاقوام و
الاديان و والمناطق، وكسر
شوكة نضالها ومقدرتها من
الناحية السياسية و
الاجتماعية من جانب و تقليل
اجورها الشهرية واليومية و
عدم توفير الخدمات المدنية
التي من المفترض ان تقدمها
الحكومة مثل الكهرباء والماء
و المحروقات و بناء المدارس
والمستشفيات بالاضافة الى قطع
الضمانات الاجتماعية من
الناحية الاقتصادية
والاجتماعية من جانب أخر.
عليه على القادة العماليين
الذين تبوئوا هذه المكانة
والموقع من جديد، اقصد ايضا
النشطاء السياسيين الذين
يدافعون عن حقوق العمال ايضا.
ان يعوا تلك الاوضاع وأن
يبدوا بما يلي:
1-
النضال الجاد ومن منظور
مصلحة الطبقة العاملة، توحيد
تلك العناصر الجديدة من
القادة العماليين في كل قطاع
من قطاعات الطبقة العاملة في
محل عملهم" اي في مصنعهم و
معملهم" في لجان معملية"
بحثنا هذا الطرح في الحلقة
السابقة. ستكون هذه اللجان من
قبلنا البديل النضالي عن
اللجان النقابية الموجودة،
إذا تم تشكليها. بدون تشكيل
هذه اللجان يجب عدم التوصية
بالغاء اللجان النقابية بصورة
عامة.
2-
توحيد تلك اللجان المعملية ،
اي توحيد منظمات القادة في
حلقة مركزية واحدة مثل شبكة
القادة العماليين بغض النظر
عن تسميتها.
3-
يجب ان توحد هذه اللجان و
تشكل اللجان في مصنع ما حول
خطة عمل نضالية احتجاجية
واضحة الرؤية. سنركز على خطة
العمل هذه في الحلقات
القادمة.
4-
توحيد كل مايمكن توحيدهم من
القادة العماليين و نشطاء
الحركة العمالية في منظمة
عمالية موحدة قادرة على جمع
صفوف هؤلاء القادة واللجان،
من جانب و تنظم الحركة
العمالية على المستويات
المحلية و العامة وتقود
أحتجاجاتها. بغض النظر عن إسم
تلك المنظمة الموحدة.
5-
هذا وعاء لتربية طبقية عمالية
و للقادة العماليين الجدد،
بوعي طبقي واضح في هذه
المرحلة، التي تشابكت فيها
المطالب السياسية مع
الاقتصادية بصورة شاملة.
الفقرات اعلاه ليس مادة جاهزة
للتطبيق الفوري على الصعيد
العام و لكن وبنظري بامكان
القادة العماليين الموجودين
على الساحة العمالية، أن
يبدوا بصورة فورية على صعيد
المصانع والمعامل و المؤسسات
العمالية، خصوصا نحن نرى بروز
جيل جديد من القادة العماليين
المحليين على سطح المعامل
والمصانع. القادة الذين ليس
لديهم تجربة وخبرة نضالية
عمالية متراكمة ولكن لديهم
ميل نضالي للنهوض بالحركة
العمالية نحو الامام. هؤلاء
القادة هم مادة اولية لتحقيق
الهدف المرجو، وقيادة
النضالات الطبقية. تلك الميول
التي بنيت على اساس نبذ
الطائفية والقومية وكل حركة
تتجه بإتجاه شق الحركة
العمالية على اساس القوم
والطائفة وحتى على اساس
التعصبات التنظيمية. خصوصا
بعد مرور اكثر من خمسة اعوام
على تجربة العمال مع الاحتلال
و سلطة الميليشيات الحاكمة
منها والمعارضة.
25 /7 / 2008