نظموا أنفسكم، واتحدوا! حول " بيان الحريات السياسية "
سامان كريم
لقد سقطت الحكومة البعثية نتيجة" للحملة العسكرية الأمريكية ـ البريطانية، تلك الحملة التي إصطدمت باعتراض كل أحرار العالم، و التي تم شنها دون مشيئة أحد بل فقط وفق رغبات الإدارة الأمريكية و شركاتها العالمية. لقد انهارت الحكومة البعثية دون أن تحل محلها مباشرة"حكومة اخرى، و بهذه الصورة عمت أجواء فقدان الأمن و الاستقرار من النواحي السياسية والاجتماعية داخل المجتمع. حيث توقفت فيها أغلبية المؤسسات الخدمية العامة عن العمل كالمستشفيات و شبكات الماء و الكهرباء و الإتصالات نتيجة لتعرضها للقصف الأمريكي، و على أثر ذلك تعرض أمن و سلامة الجماهير و المجتمع بأكمله للخطر أيضا " في حين جعلت أمريكا و بريطانيا العراق كدولة تحت الوصاية و قد تمكنا من الحصول على الموافقة الدولية على تلك الوصاية و أعطى مجلس الأمن الشرعية بصورة رسمية لاحتلال العراق على الصعيد الدولي. نتيجة لتلك الأوضاع ظهرت العشرات من مختلف الأحزاب السياسية في هذه الاوضاع و كل حزب يرى نفسه سلطة قائمة بحد ذاتها و يمارسون الحكم، من قتل الناس، و النهب والسلب المنظم، و إثارة المواجهات بين الناس على أساس تعميق التفرقة العنصرية و النعرات القومية، و شيوع أكثر الأشكال اللاإنسانية من التقاليد و الثقافات تخلفا" بين الناس و التي تظهر فيها الأجسام البشرية ملطخة بالدم تحت تسمية أربعينية الحسينية، و انفلات لجام الأحزاب القومية و الدينية و العشائرية، كنتيجة لشيوع هذه الظروف التي أثقلت كاهل العراقيين بشكل رهيب.
إن الحكومتين الأمريكية و البريطانية اللتين جعلتا العراق تحت وصايتهما، قد بادرتا لحد الآن مرارا" وتكرارا" لوضع الأحزاب الموجودة تحت أجنحتهما. الأحزاب التي تعمل وفق الخطط الأمريكية من الأحزاب القومية الكردية والإسلامية الشيعية و جماعة الوفاق الوطني و المؤتمر الوطني العراقي، وبعض الشخصيات السنية العربية و العشائرية، بغية تشكيل إدارة مؤقة منهم، و لكن دون جدوى، و يثبت بعد اخر بأن مثل هذه العصابات لا يمكن أن تنشأ منها حكومة و سلطة، و لهذا، فأنهم قد تراجعوا عن تشكيل حكومة مؤقتة إلى إدارة مؤقتة و حتى مثل هذه الإدارة قد تأخر تشكيلها و سيستمر هذا التأخير من شهر إلى آخر، و الآن و على حد قول بول بريمر سيتم لهذا الغرض تنظيم مؤتمر وطني واسع في أواسط شهر تموز، و ليس مؤكداً إن هذا سوف يتم ايضاَ.
في ظل ظروف قاسية كهذه و في ظل الغياب الواسع للسلطة و الحكومة فإن السيناريو السياسي للعراق يسير يوما" بعد يوم نحو اوضاع أكثر سوادا". في حين إن الرد الأمريكي على هذه الظروف يتمثل بإدامة احتلال العراق و من أجل هذا الغرض فقد جروا مجلس الأمن و بقية البلدان العظمى وراء سياساتهم الرجعية، أما المعارضة البرجوازية العراقية التي تتألف من الأحزاب التي تمشي حسب خطة أمريكية و حتى بقية الأحزاب كالحزب الشيوعي العراقي و حزب الدعوة، فلم يبخلوا على أمريكا حيث أن كلهم متفقون على تنظيم "مؤتمر وطني واسع، على اسس دينية و قومية و عشائرية و طائفية" و بهذا الموجب فإن كل تلك القوى، متفقة على سلب حق جماهير العراق في تحديد الحكومة التي يتطلعون إليها. الكل متفقون على منع تنظيم الإرادة الجماهيرية الحرة و المستقلة، في حين لا يبالون لمسألة تعرض أمن الجماهير و استقرارهم للخطر المحدق. و الغريب في الأمر رأينا في نفس الوقت بأن المحتلين أنفسهم قد أكدوا على ضرورة تطبيق قرار مجلس الأمن المرقم 1483، الذي ينص بشكل واضح " تكوين الأرضية لجماهير العراق لتحديد مصيرها السياسي بشكل حر" كما وأن لافتات أحزاب المعارضة البرجوازية مليئة بمثل هذه الدعاية و الادعاءات. و لكن ما يجري في الميدانين العملي والسياسي يوميا" هو شيء آخر، أنهم جميعهم من الناحية العملية منهمكون في تقسيم العراق على أسس قمية و دينيو وحتى عشائرية و طائفية، و إن البلاغ الختامي لكلا المؤتمرين مؤتمر الناصرية في 15/4 و بغداد في 28/4 قد أثبتا ذلك بشكل واضح. و بمعزل عن كل ذلك فإننا نشاهد عمليا" المواجهات القومية التي تحصل في مدينة كركوك و ضواحيها، وعليه فيجب أن يعلم الجميع بإن السياسة الأمريكية تعتبر المصدر الأصلي لهذا السيناريو الأسود. لذا في الوقت الذي ينعدم فيه الأمن والاستقرار لا يجوز أيضا" التحدث عن الحرية و الظروف الحرة التي تسمح للمشاركة الجماهيرية الحرة في تحديد حكومتها وبتنظيم إرادتهم، أنهم لا يريدون شيوع الاستقرار و الحرية، و ذلك بالضبط لقطع الطريق أمام الحضور الجماهيري و الحركة المطالباتية و لخنق صوتهم الحر، الذي بدأ بالظهور نوعا" ما في الميدان. و لهذا فإن دعايتهم و ادعاءاتهم ليست سوى محض أكاذيب بغية تضليل جماهير العراق و الرأي العام العالمي.
في ظل ظروف كهذه أعلن الحزب الشيوعي العمالي العراقي بيان الحريات السياسية و إن إعلان هذه البيان هو لغرض: إعلان توفير أرضية تضمن فيها الحريات السياسية، وإعلان أرضية و شروط يسمح فيها لجميع أفراد المجتمع و جميع المواطنين بأن يعبروا بشكل حر عن آراءهم حول تحديد شكل الحكومة المستقبلية للعراق وعن كل المسائل المتعلقة بمعيشتهم، و واضح أيضا" بأن تحقيق بنود هذا البيان سيضمن الحرية بأوسع صورها لجميع الأحزاب السياسية ومختلف المنظمات الجماهيرية من النقابات و المجالس و الاتحادات المهنية، و من دون تحقيق مضمون هذا البيان لا يستحيل فقط على جماهير العراق تأمين المشاركة في تحديد شكل حكومتهم المستقبلية بل" سوف لا يتمكنون ايضا من التعبير عن آرائهم حول أبسط المسائل المتعلقة بحياتهم، وخصوصا" في الظروف الحالية التي يعمها الفوضى و انعدام الأمن و الاستقرار و التي أخضعت الحياة السياسية و الاجتماعية لها. لذا فإن هذا البيان من وجهة نظرنا، و بمعزل عن المنظور الإنساني و القناعة الراسخة لحزبنا بالحريات السياسية، و تأمين أوسع المديات لحرية الإنسان، فمن منظورنا تأمين هذا الشكل من الحرية لا تعني فقط التحرر من الظلم و القمع السياسي، بل التحرر من القيود الاقتصادية و الفكرية أيضا". أي الحرية في ممارسة مختلف مجالات الحياة و تفجير الطاقات الخلاقة للإنسان و التعبير عن العواطف و القيم الإنسانية النبيلة، إن هذه الحرية الواقعية لا يمكن تأمينها إلا في ظل الجمهورية الاشتراكية.
و لكن بمعزل عن هذه القناعة المبدئية للحرية الواقعية، التي تشكل أيضا" مصدرا" لإعلان بيان الحريات السياسية، فإن المسألة بالنسبة لنا هي كيف نضمن في ظل هذه الأوضاع الصعبة و القاسية المشاركة المباشرة و الفعالة للجماهير في تحديد شكل الحكومة المستقبلية. و بنفس الشكل فإن هذا البيان يضع كل الشخصيات و الأطراف الإنسانية أمام تجربة جماهيرية و واقعية، تجربة تثبت فيها إلى أي مدى يناصرون الحرية السياسية؟! أما المسألة بالنسبة لبعض الأطراف الاخرى هي إلى اية درجة تؤخذ دعايتهم و ادعاءاتهم بجدية.
إن بيان الحريات السياسية بالنسبة لنا يعني اتاحة الفرصة لجماهير العراق المحرومة من العمال و النساء و الشباب و الطلاب للظهور في الميدان. لأنه بدون وعي ودون مستوى مرتفع من الوعي السياسي والحضور السياسي في قلب هذه الأوضاع، فإن هذا البيان سوف لن يتحقق على الصعيد الاجتماعي. و إن الوسيلة الوحيدة و الطريقة الوحيدة التي من شأنها أن تحقق كل بنود بيان الحريات السياسيةعلى الصعيد الاجتماعي و بالتالي تفرضها على المحتلين و على كل أطراف المعارضة العراقية تتمثل فقط في الحضور الجماهيري في الميدان و الالتفاف حول محتوى هذا البيان. إن تحقيق هذا البيان يمثل الطريقة الوحيدة التي يتاح لجماهير العراق المشاركة الحرة، و بالتالي تفعيل إرادتها المباشرة و المستقلة من أجل إيجاد نظام تشارك في تحديده.
وفي نفس الوقت فإن الحضور السياسي لجماهير العراق في الميدان و التفافهم حول بنود البيان السياسي سيرغم الاحزاب السياسية البرجوازية للخضوع أمامهم أو على الأقل ستخلق أوضاعا" مناسبة تخفف من وطئة وسائل القمع و منع الحضور الجماهيري في الميدان. إن الحزب الشيوعي العمالي العراقي يقف في الصفوف الأمامية لنضال جماهير العراق من أجل تحقيق محتوى هذا البيان و جميع المطالب العادلة لجماهير العراق و سيحاول في نفس الوقت كسب أوسع التضامن العالمي لمحتوى هذا البيان و التضامن مع النضال العادل لجماهير العراق من أجل مستقبل أفضل.