الوضع السياسي في كردستان و خطة الحزب

بحث قدمه سامان كريم لإجتماع الموسع 17 للجنة المركزية

 

ما أقصد بالوضع السياسي في كردستان هو التطورات والتحولات التي طرأت على الساحة السياسية، وتأثيرات تلك العوامل على مزاج الجماهير وتفعيل دورها على مسارات سياسية.

رفاقي: إن مهزلة الانتخابات التي جرت في نهاية كانون الثاني في العام الجاري وما أفرزت من النتائج والتحولات السياسية هي التي تخصنا. تلك النتائج والافرازات التي كانت محسومة قبل إجرائها، ولكن تتناولها القوى المشاركة في الانتخابات على إنها نتيجة إنتخابية. من تلك النتائج هي اولا: تعزيز موقع ومكانة الإسلام السياسي بصورة عامة والإسلام السياسي الشيعي بصورة خاصة، ثانيا: تنصيب طالباني كأول رئيس كردي للعراق، وثالثا: تشكيل حكومة الجعفري وأخيرا تحديد مسعود البارزانى كرئيس لإقليم كردستان.... والإفرازات التالية لتكل التحولات والنتائج، التي بدورها اثرت تاثيرا كبيرا على مجريات الامور السياسية في مابعد.

إن نتائج هذه المهزلة كانت بمثابة فوز مهم لحركة القومية الكردية و الحزبين الحاكمين في كردستان، على صعيد العراق والمنطقة ايضا.  وأعطت دفعا قويا لتعزيز موقع الحزبين داخل صفوف الجماهير خصوصا في بداية الامر، ولكن كان هذا الواقع بالنسبة لنا واقعا مؤقتا وإنتقاليا. بعد الفترة التي تلت إنتخاب طالباني و تشكيل حكومة الجعفري وما أبدتها تلك الحكومة من السياسات و الممارسات بضد الحركة القومية الكردية والحزبين الحاكمين تغيرت الأجواء السياسية في كردستان، وحل محل الثقة والامل، التردد والشكوك نتيجة لمجمل العملية التي غطست فيها الحركة القومية الكردية بواسطة الاتحاد الوطني و الحزب الديمقراطي.

حيث بدات حكومة جعفري بمراوغاتها السياسية ضد الحزبين الحاكمين في كردستان وسياستهما وأهدافهما التي تتلخص في الفيدرالية القومية و إعادة كركوك الى كردستان وتطبيق ماددة 58 التي تخص طرد" العرب الوافدين"... حيث لم يذكر الجعفري في برنامجه امام "البرلمان" العراقي لا الفيدرالية القومية و لا تطبيق ماددة 58، إلا بعد سجالات ومجادلات مع الحزبين الكرديين ومن ثم أتفقوا على ذكر الفيدرالية ولكن بصورة مطاطية، وتأجيل حالة أو قضية كركوك الى مابعد سن الدستور. بالاضافة الى ممارسات الجعفري ضد عدة قضايا تخص الحزبين الحاكمين في كردستان على سبيل المثال لا الحصر، إصدار قرار حول إعادة كافة الضباط الاكراد الذين عينوا أو نقلوا الى محافظة كركوك، وقراره حول دمج مجالس المحافظات بوزارة شؤون المحافظات، بما فيها المحافظات الكردية الثلاث الخاضعة لسلطة الحزبين الحاكمين، وهذا القرار يضرب الفيدرالية الكردية و البرلمان الكردي بعرض الحائط، واخيرا حركات الجعفري و عدم الاخذ بالحسبان موقع الطالباني بخصوص زيارته الاخيرة لتركيا و وقراره بإطلاق السراح السجناء الإيرانيين بدون موافقته اوحتى إطلاعه، ,اخيرا تصريحات عمار الحكيم حول كركوك في تركيا. هذه المسائل كلها اخذت موقعها في الإعلام الكردي الرسمي و غير الرسمي، حيث نرى ردود الفعل ضد تيار الإسلام السياسي الشيعي، الذي سمي من قبلهم ب"الشيعة"، ردود الأفعال والإنتقادات اصبحت حالة يومية ضد هذا التيار.

من جانب الاخر، هناك عوامل اخرى أثرت على مكانة وموقع الحركة القومية الكردية والحزبين الحاكمين. حيث بدأت الحركة القومية العربية سواء كانت كحركة اجتماعية على صعيد المنطقة تدير عدة حكومات او على صعيد العراقي، بجمع صفوها للمرحلة القادمة وإطلاق التصريحات التي تصب ايضا في خانة عدائية لحركة القومية الكردية مثل عروبة العراق. حيث بدأت العملية تحت عنوان"دور السنة في العملية السياسية"  والمراد منها مشاركة الإسلام السياسي السني مع القومية العربية" بدون الاسلام السياسي البن اللادني" الحركتان التي تنسقان سياساتهما في هذه المرحلة على الأقل، و نظموا أنفسهم في عدة مجاميع وهيئات واحزاب مختلفة.  وهناك من جانب أخر ضغوطات امريكية وعربية و لبلدان المنطقة على الحزبين الحاكمين في كردستان. حيث بدأت أمريكا علناً بتحذير الحزبين من ممارساتهما في كركوك، وهناك ضغوطات تركية وإيرانية مستمرة، وهناك من يرجع الإنفجارات الاخيرة في كردستان إلى الدور الإيراني المباشر.

وعلى جهة اخرى، هناك سخط و إحتجاجات جماهيرية ضد الحزبين الحاكمين في كردستان، إحتجاجات ضد الفساد الاداري ومطالبة الجماهير بتحسين امورها المعاشية و الخدمية منها شبكات الماء والكهرباء و الطرقات حيث شاهدنا مؤخرا تظاهرة جماهيرية حاشدة في مدينة رانية التي سجل حزبنا ورفيقنا أزاد احمد حضورا سياسا رائعاً فيها.

كل تلك العوامل والتحولات التي طرأت على الساحة السياسية والتي وقعت بين المتحالفين، اي الحزبين الحاكمين في كردستان و الإسلام السياسي الشيعي، إدت الى ميلان وضعف موقع الحركة القومية الكردية، ووضع الحزبين في حالة إنعدام الافق السياسي"قاب قوسين او ادنى"  في إطار الدولة العراقية الحالية. لأن مجمل الأهداف والاستراتيجية للحركة الكردية والحزبين الحاكمين تتلخص في محورين اساسين أصلا: اولا: الفيدرالية بصيغتها القومية، وثانيا: إعادة المناطق التي يسكن فيها الاكراد،وخصوصا كركوك التي تم تمجيدها و بإطلاق تسميات القدس و قلب كردستان عليها.

المحور الاول، ويرتبط مباشرة بنوع نظام الدولة في العراق. ماهي نوع الدولة التي ستتشكل في العراق؟ هل هي الفدرالية ؟ أو القومية؟ أو الإسلامية؟ أو العلمانية وغير قومية؟. هذه القضية من اكثر القضايا العراقية سخونة و تعقيدا، حيث تتصارع عليها قوى المختلفة سوى تلك التي تشارك في الحكومة او التي خارجها، في سبيل حسم امر نوعية الدولة و طبع الدولة العراقية بطابعها. لأن الدولة  في تحليل الاخير تعتمد على قوة إحدى القوى السياسية على ساحة العراقية وطبعها بطابع سياساتها وأهدافها. وإن الدولة الحالية لا تشبه الدولة إلا بالإسم والتي شكلت على اساس مبدا" التوافق"، وإن العملية الجارية التي سميت بمرحلة الدستورية، هي عملية تضليلية بحتة يراد منها خداع الجماهير وجعلها تابعة لقوى الموجودة.

إن تشكيل الدولة يعتمد على الحركات الاجتماعية التي لديها أهداف وإستراتيجية واضحة لبناء الدولة التي تريدها. و كل حركة سياسية من خلال حزبها أو احزابها تحاول وتناضل في سبيل تحقيق أهدافها وإستراتيجيتها. لا يمكن لأية قوى سياسة أن تبقى وإلى الأبد ضمن دائرة المناورات السياسية والتكتيكية، بل لا بد أن تلجاً في ضرف ما ألى تثبيت قدراتها و تشديد قبضتها ومن ثم تحقيق أمالها وأهدافها، والا لن تبقى كقوة أجتماعية مقتدرة. وإن الصور التي نراها في المشهد السياسي العراقي، للإسلام السياسي أو حتى لحركة القومية العربية، هي ضمن المناورات السياسية الوقتية، في سبيل كسب الوقت وجر الاخرين لحين إقتناص الفرصة المناسبة، ومن ثم تضرب بعرض الحائط كل الاتفاقات والتعهدات التي أبرمت سابقاً، ومن ثم  تشدد قبضتها على الحكم.

أما بخصوص المحور الثاني: إن الحركة القومية الكردية و حزبيها يرغبان بتثبيت اقدامهما، وهذا مرتبط بالمحور الاول. إن حل قضية كركوك ليس ممكنا في إطار مبدا التوافق والمناورات السياسية الجارية بين القوى الموجودة في الحكم. وعليه فان مطلب الحزبين الكردين حول إعادة كركوك ألى كردستان وتطبيق ماددة 58 لن يتم حسب مبدا التوافق وعملية ماتسمى بالمرحلة الدستورية. وإن تأجيل هذه القضية عدة مرات وأخيرا تأجيلها ألى ما بعد سن الدستور يدل على صحة تصورنا هذا. وإن أي تأخير في حل هذه القضية حسب مطلب الحزبين ينعكس سلبا على مصداقية الحزبين داخل صفوف الجماهير في كردستان، و موقعهما في السلطة على صعيد العراق و كردستان.

إن قضية كركوك هي قضية عراق مصغر، والتي تنعكس فيها كل ألاشكاليات العراقية وخصوصا الصراعات القومية. إذن إن حل قضية كركوك ومن منظور البرجوازية العربية و العالمية مرتبطة بحسم الصراع على الدولة.

و العراق الان يخلو من قوة برجوازية يمينية تمثل كل جماهير العراق، بل إن البرجوازية في العراق إنقسمت الى برجوازيات قومية و طائفية ودينية مختلفة. وإن هذه المسألة تشكل إحد وأكبر العوائق الجدية أمام البرجوازية العراقية لتنظيم صفوفها في تشكيل الدولة. وبالتالي إن قضية الدولة وحسمها لن تتم ضمن العملية السياسية الجارية، أقصد دولة مستقرة وقابلة للحياة.

من الممكن تشكيل الدولة، ولكن دولة غير مستقرة وغير قابلة للديمومة والتواصل والاستمرار، مثل ركائز بدون سمنت، ستنهار حتما امام اية تحولات اجتماعية. وفي هذا الإطار إن موقع الحزبين الكردين والحركة القومية الكردية بصورة عامة، هو موقع ضعيف مقارنة بقدرات القوى الاخرى.

في ضوء تلك التحولات والرؤى نشاهد وفي الفترة القريبة المقبلة صراعات ومنافسات شديدة و ضارية، حول حسم الدولة و الدستور، و نوع الفدرالية، وموقع الدين في الدولة، و خروج القوات الأمريكية، وقضية الامن وحلها والمجاعة وتدني الاجور وإنعدام الخدمات العامة,,,

في ظل هذه الأوضاع التي تسبح فيها الحركة القومية الكردية، إن تنصيب الطالباني كأول رئيس كردي للعراق، يمثل فقط عرض لعضلات الحركة الكردية، إستفاد منه شخص الطالباني فقط. ولكن من الناحية الفعلية وعلى أرض الواقع إن رئاسته للعراق لا تضع حجرا على جدران مصالح حركته و تحقيق أهدافها. إن رئاسته ليس بإمكانها تحقيق أو تثبيت أهداف حركته وليس بإمكانه أن يمارس أي دور لصالح إستراتيجية الحركة الكردية، لأن رئاسته تمت على أساس مبدأ التوافق، ومن ثم هو مقيد أصلا بالإتفاقيات و التعهدات مع الأخرين ضمن العملية السياسية الجارية, وإن طالباني بصفته أحد أقطاب الحركة الكردية، ليس بإمكانه تمثيل جماهير العراق المكونة أصلا من قوميات و أديان مختلفة.

إن هذه المسالة، أي مسألة تحديد طالباني كرئيس للدولة، التي ضللت بها جماهير العراق واربكت الجماهير في كردستان، سوف تكشف محتواها الحقيقي قريباً، المحتوى الخالي من أي بعد إستراتيجي لحركته و ليس خال فقط من تحقيق اي مطلب من مطالب الجماهير في كردستان بل يقف ضد تحقيق مطلب اساسي لجماهير كردستان، أي مطلب إنفصال كردستان و تشكيل دولة مستقلة فيها. و على أساس مبدأ التوافق نفسه تم تحديد مسعود البارزاني كأول رئيس "لأقليم كردستان" اي تم تحديده في إطار إتفاقات عدة ضمن التناول السياسي على ساحة العراقية بكل مجرياتها. عليه إن قضية رئاسة الإقليم هي ايضا قضية وقتية و إنتقالية  وتصب في خانة التكتيكات السياسية، وليس عملية ثابتة ومحلولة. ولا يجب أن تأخذ كحل نهائي لصراع الدائر بين الحزبين.

إذن وفي ضوء تلك التحولات السياسية، نحن على عتبة تحولات سياسية جديدة وتغيير في توازن القوى على صعيد العراقي والكردستاني.

إن محور بحثي هو الإستفادة القصوى من المرحلة المقبلة، وكيف يتصرف ويتفاعل الحزب مع الدورة المقبلة، في سبيل تقوية نفسه و تعزيز موقعه؟ ماهي سياستنا و كيف أن نجعل من الشيوعية العمالية حركة مقتدرة؟ وكيف نحول الحزب الى حزب سياسي؟ ماهي الافاق والمراحل المختلفة لتشكيل حزب كهذا، حزب حكمتي مقتدر في كردستان؟ وكيف بإمكاننا جعل سياسة الحزب التي هي أساسا تعبير لمطالب وأمال الجماهير، مطلبا جماهيريا للإعتراضات الجارية في كردستان؟...

مثل ما أكدنا أعلاه، إن هذه الاوضاع هي أوضاع مؤقتة وإنتقالية. وإن مسألة الدولة في العراق ولحد الآن لم تحسم من قبل اي طرف. وإن موقع الحركة الكردية و حزبيها يتجه رويداً رويدا نحو إنسداد افقها. بإعتقادي إن السياسية المحورية للحزب في كردستان يتمحور حول " إنفصال كردستان، وتشكل دولة علمانية وغير قومية فيها، من خلال إستفتاء جماهيري عام وحر". نحن شكلنا منظمة إستفتاء لإستقلال كردستان كمنظمة سياسية في سبيل تفعيل دور الجماهير، وإن الحزب هو محرك اساسي لهذه المنظمة. ولكن ماهي خطة عملنا في كردستان؟ الخطة التي بإمكانها دفع الحزب الى الدرجة التي تمكنه من تحقيق هذا الهدف؟ برأيي إن إستراتيجيتنا العملية يجب أن تأخذ مجراها على مراحل مختلفة. وإن أهم تلك المراحل هي مرحلة تقوية البنية التنظيمية للحزب و دمج الحزب بالحركات الاعتراضية للجماهير المحتجة، و تسجيل حضور سياسي و رفع إستعداداته الإجتماعية....

وإن سياستنا لحل كقضية كركوك، هي إنهاء الصراع القومي فيها، التي عبرنا عنها في نص "وثيقة كركوك" و سياسة الحزب حول حل قضية كركوك التي جاءت في التقرير السياسي للمؤتمر الثالث للحزب التي يرتكز على المحاور التالية، أولا: يجب حل "القضية الكردية" قبل حل قضية كركوك. ثانيا: مشاركة جماهير مدينة كركوك في إستفتاء جماهير عام وحر حول إنفصال كردستان أو بقائها ضمن حدود العراقية الحالية، ثالثا: بعد إنفصال كردستان، يجب إجراء إستفتاء عام وحر لجماهير كركوك لتصويت على بقاء المدينة ضمن العراق أو الحاق المدينة بالدولة الجديدة التي سوف تشكل في كردستان، رابعا: ولحل قضية النفط، يجب حل القضية بمشاركة الجهات الاربعة، وهي منظمة دولية، وممثل عن الدولة في كردستان ومثل عن دولة العراق، وممثل عن جماهير مدينة كركوك، وإذا إتفقت ثلاثة أطراف من تلك الاربعة، سيكون هذه الاتفاق بمثابة حل لقضية النفط وكيفية توزيع ثرواتها.

اشكركم