لماذا لا تكون محاكمة صدام وأركان النظام البعثي الفاشي علنية ؟
سمير عادل
هذه هي المهزلة: يسلم صدام حسين للعراقيين بحراسة أمريكية، ويحاكم محاكمة سرية، ودون أي إخطار للجهات والأطراف التي لها دعاوى ضد صدام حسين ونظامه الفاشي، ومن ثم إعطاء فرصة من الوقت للإعداد لهذه المحاكمة. وعلاوة على ذلك إن المحكمة التي يمثل أمامها صدام حسين واحد عشر شخصا من أركان نظامه هي محكمة عراقية وليست دولية.
إن صدام حسين ونظامه القومي الشوفيني متهم بارتكاب جرائم ضـد الإنسانية. أي بعبارة أخرى إن تصفيته لمئات الآلاف من البشرية في العراق وسلب حق الحياة منهم لا يزكي أي طرف في العراق بالمطالبة بمحاكمة صدام حسين أمام المحاكم العراقية. فالإنسان في العراق كان أو في أوربا أو أمريكا أو أية بقعة في العالم هو إنسان وليس له علاقة بالجغرافية أو الحدود التي ترسمها الحكومات التي يعيش فيها. إلى جانب ذلك إن القضاء العراقي ليس قضاءا مبنياً على الحد الأدنى من القيم المدنية والحضارية ويتمتع باستقلالية كاملة عن الهيئة السياسية الحاكمة ولا يتأثر من بعيد أو من قريب بالمجريات السياسية والجهات المتنفذة في الحكومة. وهنا لا أقول الدولة، لأنها لا زالت غير بعد انهيار أركانها ومعالمها. وحكومة علاوي المفروضة من قبل قوات الاحتلال ليست مؤهلة ولا تمتلك أية شرعية ليست في محاكمة صدام فحسب، بل في محاكمة أي شخص مهما كانت التهم الموجهة إليه. فهي لا تمثل إرادة الجماهير حيث أن هذه الحكومة نصبت بالدبابات والطائرات الحربية الأمريكية أولا، ولان الأشخاص الذين يمثلون هذه الحكومة، متهمين بارتكاب جرائم النهب والسلب لثروات المجتمع، ومتهمين أيضا بإضفاء الشرعية على الأعمال الوحشية التي ترتكبها القوات الأمريكية والبريطانية في العراق. وعليه يجب أن يحاكم صدام حسين وأعوانه أمام محكمة دولية مثلما جرت محاكمة أركان نظام هتلـر التي عرفت حينها بمحكمة نورنبرغ.
أما محاكمة صدام حسن وبشكل سري كما أعلن عنها فهي تشكل هي الأخرى اكبر مهزلة تاريخية في العراق "الديمقراطي الجديد". انه استخفاف وسخرية من لدن الساسة الأمريكان وعملائهم في الحكومة الانتقالية الجديدة بالنظام الديمقراطي، الذي يحاول بوش أن يسوقه للشرق الأوسط. فهل هناك محاكمة سرية لمتهمين ارتكبوا جرائم بحق الإنسانية في العالم الديمقراطي المزعوم؟. لكن الدعوة الى سرية المحكمة بحجة الإجراءات الأمنية لا تنطلي على جماهير العراق ولا تقف عند حدود إهانتهم لنظامهم الديمقراطي. فمن الممكن أن تتخذ إجراءات أمنية مشددة الى جانب ضمان علنية المحاكمة وبحضور ممثلين عن الادعاء. إن محاكمة مرتكبي الجرائم بحق الإنسانية مثل صدام حسين وأمثاله ليس شأن عراقي بل هي قضية عالمية تمس إنسانية المجتمع البشري. فمن الممكن أن تجيز الصحافة المأجورة في النظام الديمقراطي محاكمة أشخاص تحت عنوان الخيانة العظمى أو تهديد الأمن القومي.. الخ من تلك السخافات بشكل سري. بيد إن الإعلان عن تسليم صدام حسين الى العراقيين بهذه السرعة دون إعلان أو تمهيد مسبق ومحاكمته بهذا الشكل السريع والسري، تبغي من ورائها الإدارة الأمريكية، إضفاء الشرعية "الوطنية" على حكومة علاوي الفـاقـدة للشرعية أصلا، ومن ثم تثبيت هيبـتها في المجتمع العراقي عن طريق تدشين أول محاكمة لمخالفي أمريكا والنظام العالمي الجديد وإدارة بوش ومشروعها للهيمنة على العالم تحت عنوان محاربة الإرهاب.
إن الإدارة الأمريكية تحاول أن تصيغ لائحة من الاتهامات ضد صدام حسين ونظامه من خلال تلك المحاكمة السرية من منظورها وقيمها ومخالفتها لصدام حسين الذي رفض أن يدور في الفلك الأمريكي. تحاول الإدارة الأمريكية وحكومتها الانتقالية أن توجـه التهم الى صدام حسين كفعل شخصي نابع من دكتاتـورية شخص صدام حسين وشرانيته. وتعني بعبارة أخرى إنقاذ النظام القومي الفاشي من المحاكمة والإدانة أمام أعين العالم، الذي كـان سببا في كل الأهوال التي لحقت بالإنسانية في العراق. وبهذه الطريقة يفتح الباب مجددا على مصراعيه للقوميين العروبيين الشوفينيين للعب دور سياسي في حكم العراق والمنطـقة دون إعطاء إي فرصة للمجتمع الإنساني في اتخاذ الإجراءات الرادعة في عدم مشاركتهم في الحياة السياسية، مثلما اتخذت الإجراءات اللازمة بحق النازية والفاشية في أوربا. إذ لا مكان لأعداء الإنسانية في المجتمع البشري.
إن الحزب الشيوعي العمالي ينظر الى نظام صدام حسين بأنه متهم بنظام قومي شوفيني ارتكب الجرائم بحق ناطقي اللغة الكردية والطبقة العاملة والمرأة والأطفال والطلبة والشباب. وفي نفس الوقت يطالب أن تكون محاكمة صدام حسين وأعوانه محاكمة علنية وأمام محكمة دولية. أن الطريقة التي تحاول الإدارة الأمريكية من خلال حكومة علاوي أن تحاكم صدام حسين هي طريقة مدانة وليس لها أية علاقة بلائحة الاتهام التي تحاول أن توجهها جماهير العراق الى صدام حسين.