بوجود القوات الامريكية والبريطانية في العراق،
بعد تصاعد حدة العمليات العسكرية ضد القوات الامريكية في العراق والخسائر البشرية التي تلحق بها يوميا، وازدياد رقعة الانفلات الامني على مستوى المجتمع العراقي، بدأت ادارة بوش بالبحث عن حلول للخروج من المأزق العسكري والسياسي في المشهد العراقي. فسرعان ما صبت هذه الادارة جام غضبها على الدمية التي صنعتها والتي سميت "مجلس الحكم" بحجة انها لا تفعل شيئا، وان اعضاء هذا المجلس يلهثون وراء مصالحهم الذاتية. فهناك من تلك الادارة من طرح حل المجلس وآخر من اقترح توسيعه الى 150 عضوا بدلا من 25. واخيرا تم التوصل الى حل في اجتماع الخامس عشر من تشرين الثاني بطرح خطة من قبل ادراة بول بريمر لتشكيل حكومة مؤقته تتكون من اعضاء مجالس المحافظات من 15 عضوا ، 10 اعضاء منهم يأتون من تلك المجالس و 5 يختارهم مجلس الحكم. الا انه حتى هذه الخطة تبدو محفوفة بالمخاطر بالنسبة للادارة الامريكية؛ حث يطرح عددا من اعضاء مجلس الحكم فكرة الابقاء على مجلس الحكم الى جانب الحكومة المؤقته. وتخاف الادارة الامريكية من حدوث التضارب بين هاتين الهيئتين وعدم قدرتها على التحكم بهما. علما ان الهيئة التي ستعينها امريكا والتي تتلقى دعمها هي التي ستكون صاحبة القرار. وتكشف الخطة اعلاه عن الحظ السئ للادارة الامريكية في العراق، الى الدرجة التي لا يوجد فيها بين اعضاء مجلس الحكم، او خارجه، شخص مثل حميد كرزاي رئيس افغانستان، رغم ان كل واحد من اعضاء مجلس الحكم قد عبر عن استعداده لان يصبح كرزاي العراق، دون ان يحمل مواصفاته.
ان هذا السيناريو الجديد، يكشف من جهة، عن التخبطات التي تمر بها السياسة الامريكية في العراق، ومن جهة اخرى، عن محاولتها استبدال حكومة كارتونية بأخرى للتملص من الضغط الدولي وللالتفاف على النقمة الجماهيرية في العراق بعد ما يقارب السبعة اشهر من دخول القوات الامريكية في العراق واسقاط نظام صدام دون اي تحسن في الاوضاع المعيشية والامنية. ان الثابت في هذا السيناريو الجديد هو بقاء القوات الامريكية في العراق. وان الخطة الجديدة او اية خطة تطرح يجب ان تدعم او تؤدي الى دعم الانتصار السياسي للاستراتيجية الامريكية في العراق والتي هي عنوان النظام العالمي الجديد وعنوان هيمنتها على العالم. وسواء سلمت الادارة الى العراقيين في حزيران القادم كما تطرحه الخطة اعلاه او لم تسلم وتبقى بيد الامريكيين، فأنها لن تعدو ان تكون ادارة شكلية. فكما عبر بوش واكد عليه رامسفيلد، فان تسليم الادارة الى العراقيين وتشكيل حكومة، لا تعني رحيل القوات الامريكية.
ان الولايات المتحدة الامريكية غير جادة بالمرة في تحسين الاوضاع الامنية والمعيشية في العراق. فاية خطة تطرحها يجب ان تتوج بانتصارها العسكري والسياسي في العراق. وانتصارها العسكري وحتى الجزئي منه، (هذا اذا قبلنا تصريح احد المسؤولين العسكريين في العراق حول انخفاض الهجمات على قواته بنسبة 30% خلال السبوع الاخير)، لا يمكن ان يتحقق الا بالحاق المزيد من الخراب والدمار للمجتمع العراقي وقتل عددا اكبر من الابرياء وبث الرعب في صفوف الاطفال عن طريق مداهمة البيوت بشكل وحشي كما حصل في عمليات ما يسمى "المطرقة الحديدية". ان الذين يطالبون بانتخابات في ظل اوضاع الانفلات الامني كالتي يمر بها المجتمع العراقي اليوم، في اوضاع لا يتمتع بها المواطن بالحد الادنى للطمأنينة والسلامة على نفسه وعلى اسرته، مختبئاً في بيته معظم الوقت تخوفاً من ان تودي رصاصة طائشة او انفجار عبوة ناسفة او عملية انتحارية او سقوط قذيفة هاون بحياته، هم اما جاهلين سياسياً او متجاهلين او انهم يبغون من وراء هذه الدعاية غايات سياسية اخرى. فعملية الانتخابات يجب ان تجري في مجتمع يخلو من الحرب، مجتمع يعمه الامن والسلام اولا وقبل كل شيء. ولكن الحرب مازالت قائمة بين القطبين الارهابيين، القوات الامريكية من جهة والاسلام السياسي والقوميين وبقايا البعث من جهة اخرى، وتقتنص كل يوم حياة المزيد الابرياء. فكيف ستجري الانتخابات ومن يديرها؟. ان الولايات المتحدة تستغل هذه الاوضاع التي تمنع تدخل الجماهير المباشر بتنصيب دمى وحكومات كارتونية وتفرضها على جماهير العراق.
اؤكد هنا من جديد على بديل الحزب الشيوعي العمالي العراقي بعد سبعة اشهر على اسقاط حكومة صدام من قبل القوات الامريكية وهو الدعوة الى خروج القوات الامريكية وحلفائها وانهاء السلطة العسكرية الامريكية وسحب البساط من اقدام دعاة "مقاومة الاحتلال"*. بامكان القوات الدولية باشراف الامم المتحدة في نفس الوقت الحفاظ على الهدوء والاستقرار. حينها فقط تستطيع الجماهير ان تلعب دورا مباشرا وفاعلا في تقرير مصيرها.