الاحتلال والإرهاب والقوت اليومي للناس

 

سمير عادل

 

   ثلاث نقاط يجب تثبيتها على الرغم من إن الإدارة الأمريكية والقوى المحلية الموالية لها في العراق تحاول طمسها أو تشويهها بشتى الأشكال. والسبب هو معروف لتبرير فشلها الأمني والسياسي والتنصل الكامل من جميع مسؤولياتها أمام جماهير العراق. وهذا ما أكدناه دائما في جميع أدبياتنا السياسية والدعائية.

النقطة الأولى: هي إن إذكاء نار الحقد الطائفي والقومي في العراق هي ثمرة الحرب والاحتلال. فقتل أناس أبرياء صنفوا على أساس طائفي في المدائن واللطيفية وعلاوي جميلة وكسرة وعطش، لم يعرفوا يوما أو سئلوا آبائهم لماذا ولدوا شيعة أو سنة ؟، لم يدركوا إن الانتماء الى الطائفة ما هو أن يدفعوا ثمنا باهضا من حياتهم وحياة أبنائهم في العراق الجديد. نقول قتل مثل هؤلاء الناس لا يدمي له القلب فحسب بل هو عار يلحق البشرية عبر التاريخ. وستذكر الأجيال أية حماقة لا إنسانية ترتكبها هذه العصابات الطائفية المأجورة وتحاول أن تجر الى مستنقعها الناس البسطاء كي يكونوا ذخيرة لإدامة حياتها ليوم أكثر. فلو لا الاحتلال ومحاولات أمريكا بفرض بديل يعطي الشرعية لتدمير كل ما هو إنساني ويشير الى المدنية، لما وجدت حكومة قومية وطائفية تبعث على التقزز والاشمئزاز. تلك الحكومة ليس غايتها وأهدافها لا من بعيد ولا من قريب مسألة الأمن والاستقرار. لأنها ببساطة هي سبب وإدامة انعدام الأمن ما دامت تنظر الى البشر على أساس الهويات اللانسانية وما دامت تستمد سلطانها ونفوذها وحياتها من وجود الاحتلال ومن اصطناع تلك التقسيمات وفرضها على البشر في العراق.

النقطة الثانية ولقد أكدناه ضمنا في مناسبات سابقة عبر مقالات وندوات وخطابات لي، وهنا يجب تثبيتها بشكل واضح. وهي إن محاربة الإرهاب ليست محاربة عسكرية واستخباراتية. بل هي محاربة سياسية واجتماعية. أما الإعلام الأمريكي والقوى الموالية لها في العراق تحاول أن تصور بأن الدعم السوري والإيراني هو سبب انعدام الأمن. وهذا  محض هراء ومحاولة فاشلة لتمويه عن عدم وجود رفض اجتماعي للاحتلال. فلو لا الدعم اللوجستي والغطاء الاجتماعي للأفراد المتسللين من تلك الدول لما استطاعوا القيام بالمناورات والمشاركة في الهجمات المسلحة والعمليات الإرهابية. إن أي إنسان في العراق لا يحرك ساكنا ولا يهز له طرف من تدمير عربة أمريكية أو قتل احد جنودها أو حتى قتل احد يحاول أن يواليها ويضفي بالوجود الشرعي عليها من قوات الشرطة والحرس الوطني. على الرغم إن هؤلاء المساكين لم ينخرطوا في صفوف هذه القوات لو لا الحرمان والفقر. وبعد أكثر من عامين من توسع رقعة انعدام الأمن والحريات واستمرار ظاهرة البطالة، ماذا يتوقع أن يكون موقف الناس من الاحتلال، بعد أن كانوا مبتهجين به، عندما أطيح بأبشع نظام دكتاتوري في العالم!  بيد إن الخداع والسخرية تكمن عندما تحاول كل الجماعات الموجودة الآن في الجمعية الوطنية أن تصور الإرهاب من خلال انفجار السيارات المفخخة والعبوات الناسفة. أما قتل 14 فلاح لأنهم من المدائن ولا يعرفوا إن كانوا ينتمون الى طائفة السنة أو لا، في كمين وضعها الشرطة لهم عند علاوي جميلة وقتل المنتمين الى طائفة الشيعة ورمي جثثهم في نهر دجلة فلا يدخل في نظر السادة المذكورين في الجمعية الوطنية وحكومة طلباني ـ جعفري في سلم الإرهاب. أو اختطاف وقتل مواطنين عرب وأكراد في كركوك لا يدرج في سجل الإرهاب. او تهجير وتهديد وقتل المنتمين الى المسيحية والصابئة وغيرها من الديانات الأخرى لا يدون في تاريخ الإرهاب. بعبارة أخرى ان تشكيل حكومة على اساس قومي وطائفي هو طرف في تقوية ودعم الارهاب.

اما النقطة الثالثة: فهي التلاعب بالقوت اليومي للناس. الاستحواذ على أخر ما يملكه الناس وهي البطاقة التموينية بعد ان خسروا الأمن والحرية.. فلم تكتف إدارة بريمر من سرقة ما يمكن سرقته من أموال النفط وعقود الأعمار الى صالح الشركات الأمريكية التي كان يرئس مجلس إدارتها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني. ولم يكتف معه كوفي عنان ولا السادة المسؤولون في اتفاقية النفط مقابل الغذاء الذين يحملون الجنسية العراقية او جنسية الأمم المتحدة بما اختلسوه من أموال الناس. فكما قالت إحدى الصحف الغربية  ان العراق يتعرض الى اكبر عملية سرقة وفساد إداري في العالم.

النقاط الثلاثة هي ثمرة الاحتلال. والحكومة التي شكلت هي عامل استمرار الارهاب وسرقة المزيد والمزيد من ثروات المجتمع. فإذا تأملت الجماهير من مهزلة الانتخابات بإنهاء الاحتلال وجلب الأمن، باتت الآن تخسر أخر ما لديها وهي البطاقة التموينية. فهذا هو العراق الجديد المفعم بالخير والديمقراطية كما صرح بوش والحكيم والطلباني والجعفري وحميد مجيد موسى.