افتضاح عصر الديماغوجية... وانتهاء زمن صانعي الاكاذيب

 

سمير عادل

 

لاول مرة ومنذ انتهاء الحرب الباردة ،تتعثر ديماغوجية الاعلام والادارة الامريكية في الوصول الى اهدافها من حيث تعميق درجة التحميق وتزييف وعي الجماهير على صعيد العالم بشكل عام والصعيد الامريكي بدرجة واضحة وصارخة .ولعل الكساد الذي اصاب سوق صانعي الاكاذيب في البيت الابيض و فشل عملية التضليل للراي العام الامريكي من قبل ادارة بوش ،اصبح الهاجس المخيف الذي يدفع بالتعجيل من موعد الحرب .وقد يكون صحيحا،بعد احداث 11 ايلول،كما قال معظم المتابعون والمحللون للشؤون الامريكية ،ان الامريكي وضع حدا للاباليته تجاه ساسته،صانعي قرارات الانقلابات والابادة الجماعية والمؤامرات باسمه لتنفيذها عبر البحار والقارات .

 لم يغب عن بالنا ابدا الاحتجاجات الجماهيرية العارمة التي اجتحات شوارع المدن الامريكية ابان الحرب الفيتنامية .لكن الفارق مع تلك الايام ، فقد كانت ترسل في كل يوم ، عشرات الجثث من الجنود الامريكيين معلبة بالاكياس الى ديارهم في حين ما زالت الحرب لم تلق بأوزارها على سكان امريكا لحد الان، ومع هذا نجد اتساع رقعة الاعتراضات ضد الحرب المحتملة على العراق في صفوف المواطنين الامريكيين.اي بعبارة اخرى ان البشرية الواعية في امريكا لما يصبها اية خسارة لحد الان لكنها تدرك بحسها الانساني بما ستخلفه تلك الحرب اذا ما اندلعت، من ويلات علىالمجتمع العراقي.

هكذا كان يقولون، من الطبالين والزمارين والمرتشين من المفكرين والصحفيين بعد طوي صفحة الحرب الباردة :بان الديكتاتورية انهزمت والنظام العالمي الجديد سيرسخ الديمقراطيات على مستوى العالم .استمرت هذه الديماغوجية لمدة اثني عشر عاما لتبرر قتل اطفال العراق من الجوع والمرض ،والمذابح التي ارتكبت في يوغسلافيا والجمهوريات السوفيتية القديمة والصومال ورواندا...الخ.

البشرية تتحد اليوم في كل اصقاع العالم لتهتف "لا للبربرية الامريكية " بينما ادراتي بوش وتوني بلير تقولان "لا للانسانية ولا للاكثرية الغاضبة في العالم ..بل لتهور الاقلية ".فاصبحت كذبة بوش حول جلب الديمقراطية الى العراق ((عبر اطلاق 6000 صاروخ فقط ما عدا القنابل وحمم نيران المدفعيات حسب الخطة التي كشف عنها البيت الابيض وقتل ما لا يقل عن 2000-50000 مدني داخل مدينة بغداد لوحدها حسب تقرير الامم المتحدة)) مثل كذبة بوش الاب عندما حشد جيوشيه عشية حرب الخليج الثانية ليقول بأنه يعتزم اعادة الديمقراطية الى الكويت التي كانت وما زالت قلعة  العفونة والرجعية والديكتاتورية وضرب اية حركة تحررية انسانية في المنطقة .فالملايين من البشرية اجتمعت في كل انحاء العالم "لا للحرب" بينما يمضي بوش لتنفيذ خططه الجهنمية .

وهكذا يستمر افتضاح عصر الديماغوجيات الذي اعتاش على التعتيم الاعلامي وصناعة الكذب ابان الصراع بين القطبين لتشويه الفكر والوعي .فحتى مجلس الامن الذي كان اداة طيعة بيد امريكا للعقد المنصرم في تمرير سياستها،باتت تتقيأ تلك السياسة نتيجة الاحتجاجات العظيمة التي تهز العالم وصراع المصالح بين الدول المنافسة لامريكا مثل فرنسا وروسيا والمانيا .ووصل حد افتضاح الديماغوجية الامريكية لتبرير حربها ضد العراق ،الى حد ان دولة مثل ماليزيا وحتى  رئيسي هيئتي المفتشين والطاقة الذرية ، اعلنوا عن ادانتهم لتزوير وثائق من قبل امريكا وبريطانيا حول اسلحة الدمار الشامل العراقية لخداع مجلس الامن للحصول على قرار يخول الحرب على العراق .

لكن زمن صانعي تزييف الوعي لم يول في الغرب فقط،بل اصاب الزلزال ايضا سوق صناعة "الاوهام القوميين" للتيار العروبي واكاذيب وافتراءات العصابات الاسلامية في الشرق.فباتت تتحطم على صخرة الانسانية التي تدحرجت في الغرب بعنف بعد الحادي عشر من ايلول،نظريات الاستشراق التي صنعها القوميين العرب لوضع الحواجز وتقديس اوضاع المجتمعات العربية والاطالة من عمر الدونية  للبشر في تلك المجتمعات ،وتحطمت عليها ايضا فتاوى وتنظيرات  اسامة بن لادن والخميني والقرضاوي،حول الغرب:الفاسد والصليبي واليهودي والشيطان الاكبر ،وكل واحد  منهم حلل محاربة الغرب بطريقته .فمن نفس الرؤية الفلسفية والتنظيرات ارتكبت مجزرة 11 ايلول في نيويورك وواشنطن .

  في امريكا وحدها كتبت 13 الف قصيدة شعر ضد الحرب وسياسة بوش،وسبعة الاف شخص يزمع القدوم الى العراق واغلبيتهم من اوربا وامريكا واستراليا ليحولوا اجسادهم الى دروع بشرية لحماية سكان العراق من القصف الوحشي الامريكي ،ناهيك عن حدوث اكثر من مليون اتصال خلال يوم واحد عبر الفاكس والهاتف للبيت الابيض من داخل امريكا مما عطلت اتصالاته ،عبروا عن سخطهم ضد الحرب التي تريد ان تشنها على العراق ،وصاحبها عشرات من الرسائل الاحتجاجية المفتوحة من قبل نجوم السينما في هوليود وكبار المثقفين الامريكيين الى الادارة الامريكية .

لقد ولى زمن مزييفي الوعي وصانعي النفاق والاكاذيب السياسية ،ولن يسعف هذا صدام حسين ونظامه الدموي الذي يعول كثيرا على الجبهة الانسانية لادامة عمره في الحكم بل بالعكس تماما .فأن رفع امريكا يدها عن جماهير العراق، ستعطيها فرصة لكنس هذا النظام من الوجود وبناء مستقبل يليق بمكانة الغريزة الانسانية التي هزمت دعاة الحرب في 15 شباط .واخيرا قد تشن امريكا حربها على جماهير العراق وقد تنجح في تهشيم عظام الاطفال والشباب والنساء،وقد تنصب حاكما عسكريا مجرما مثل صدام حسين ،لكن العالم عرف ولاول مرة في التاريخ بأن الديمقراطية الامريكية التي هلل لها قبل اثني عشر عاما،  هي عنوان جديد للبربرية .