وزير حقوق الإنسان ومهزلة قانون السلامة الوطنية

 

سمير عادل

 

   لا تنتهي المهازل في عراق ما بعد التحرير، النموذج الأمريكي للبلد الحر في المنطقة والعالم. فلأول مرة في تاريخ الكوميديات أو بالاحرى في تاريخ التراجيديات المسرحية يدافع وزير حقوق الإنسان "بختيار أمين" عن قانون السلامة الوطنية وهو الاسم الحركي والفني للأحكام العرفية التي سنتها حكومة أياد علاوي بعد ما يسمى بتسليم السلطة للعراقيين. في الحقيقة الكوميديا لا تبدأ لان هذا الوزير المهتم جدا بحقوق الإنسان في العراق يعقد المؤتمرات الصحفية لا ليدافع ويفضح انتهاكات حقوق الإنسان من قبل القوات الأمريكية بل عن حقانية حكومته الموقرة في سن ذلك القانون السيئ الصيت وإعطاء المبررات وجلب الأمثلة من أرشيف الحكومات العراقية مثل حكومة عبد الرحمن عارف وغيرها حسب ادعائه لدحض مخالفي القوانين. وكأن تلك الحكومات التي ذكرها احترمت كثيرا حقوق الإنسان. الكوميديا لا تبدأ من هناك مثلما ذكرت بل عندما تصنع حقيبة وزارية باسم حقوق الإنسان. ولا نعرف هل إن هذه الحقيبة خلقت لإرضاء الإطراف القومية والعشائرية والدينية والطائفية لتكون الحصص والتقسيمات متساوية؟ وقد تضيق بالإدارة الأمريكية تلك التقسيمات، ومن يدري فقد تصنع حقيبتين وزاريتين واحدة باسم الحقوق والأخرى باسم الإنسان. لان الإنسان في العراق من كثر ما انتهكت كرامته وحقوقه أصبح مجردا عن الحقوق. وبدأ يحكى عن حقوقه وإنسانيته بشكل منفصل وبشكل تجريد. فمن الصعب في نظر تلك الأطراف المذكورة إعادة الحقوق للإنسان في العراق، لان بذلك تنفي وجودها. أم اختلقت تلك الوزارة لزيادة رقعة سرقة الأموال وثروات المجتمع باسم حقيبة حقوق الإنسان؟ أم لإضفاء الشرعية على المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان في ظل وجود القوات الأمريكية في العراق؟ أو لتعميم التجربة الديمقراطية في كردستان العراق؟ حيث كل من حكومة الطلباني والبرزاني لهما وزيرا لحقوق الإنسان ورأينا خلال احد عشر عاما لم يقتل أو يغتال إي سياسي ولم يعذب أي شخص !! أو انتهكت كرامته في السجون !ّ! ولم نر أو نسمع قتل أكثر من خمسة آلاف امرأة تحت عنوان غسلا للعار !! ولم نشاهد هناك حزبا فرض عليه الحظر في السليمانية ومنعت نشاطاته واعتقل كوادره مثل الحزب الشيوعي العمالي العراقي..الخ !!!. فحقا كانت تجربة رائدة في مجال حقوق الإنسان. فعلى العراق الحر والديمقراطي اكتساب تلك التجربة.

إن المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان في البلدان المتمدنة، مستقلة،  وهي تكون مراقبة لحالة حقوق الإنسان في البلدان المتواجدة فيها مثل منظمة العفو الدولية ومراقبة حقوق الإنسان الأمريكية"Human Rights watch" وعشرات المنظمات الأخرى. وقطعا إن الوزارة التي تخالف حكومتها يستبدل وزيرها فورا. فليس من المعقول إن مصدر كل انتهاكات حقوق الإنسان في العراق هو الاحتلال الأمريكي للعراق، وما حكومة علاوي كما ذكرنا مرارا وتكرار ونكررها الآن، إلا لتضفي الشرعية على وجود تلك القوات. فكيف لها أن تنكث بالميثاق التي بينها وبين القوات الأمريكية وتفضح ممارساتها بحق الإنسانية في العراق. فليس عجبا إذن أن يدافع السيد بختيار أمين عن قانون الأحكام العرفية. فلقد منحتـه حكومة علاوي مكرمة توليه لمنصب وزير حقوق الإنسان للإطراء والدفاع عن حالة الطوارئ.

إن السيد وزير حقوقـنا بختيار أمين نسي شيئا وهو إن الأحكام العرفية أو حالة الطوارئ أو كما يسميها قانون السلامة الوطنية مطبقة في العراق قبل تسليم السلطة له ولعلاوي (أنظـر الشيوعية العمالية العدد 146 "الخطوات الأولية لتنظيم القمع في المجتمع العراقي"). فلا ادري بماذا يسمي تطويق القوات الأمريكية لمنطقة ما وفرض الحظر عليها ليلا كان أم نهارا واعتقال كل من يشتبه به ويرمى في غياهب السجون دون أية محاكمة، والقتل العشوائي وقصف المناطق المدنية..الخ. في الحقيقة التي يحاول الوزير المذكور أن لا يراها أو يغض النظر عنها أو يحاول أن يمررها على الجماهير أن ما يسمى بقانون السلامة الوطنية الذي يخلو من السلامة ولا يجلب غير انعدام الأمن والسلام، أعلن بشكل رسمي لتلبيس ممارسات القوات الأمريكية الوحشية في العراق لبـاس الشرعية. فعلى وزير حقوق الإنسان أولا أن يدين ممارسات القوات الأمريكية ومطالبتها بالخروج من العراق إذا أراد حقا أن يدافع عن حقوق الإنسان. وقبل كل شيء عليه أن يستقيل من هذا المنصب الذي لا يذر الرماد إلا في عيونه وعيون حكومة علاي. وعليـه أن يعـلم إن هذه المهازل لا تنطلي على جماهير العراق.