الخطوات الأولى لتنظيم القمع في المجتمع العراقي بعد "التحرير"

سمير عادل

 

     إذا كان نظام صدام حسين برر الإعدامات الجماعية وتشييده لأقسى السجون والمعتقلات والتفنن في اختراع أساليب التعذيب بحق مخالفي ومعارضي نظامه من اجل محاربة الإمبريالية الأمريكية والعدو الصهيوني والدفاع عن كرامة الأمة العربية، فما أسهل بالنسبة للمنافحين عن حكومة بعد التحرير الانتقالية لتبرير إدامة نفس سيناريو القمع بحجة محاربة الإرهاب والإرهابيين وتوفير الأمن والاستقرار في المجتمع العراقي. فهذه الحكومة التي يشيد رئيسها أياد علاوي بأداء القوات الأمريكية ويشكر الإدارة الأمريكية على فضلها لإسقاطها نظام صدام، تعرف كيف توظف أبواقها الدعائية وتهيئ الأجواء لإدامة قمع النظام القديم تحت حجج سخيفة وواهية. فالسيد مالك دوهان وزير العدل العراقي يدعو لإعادة حكم الإعدام في العراق والمجلس البلدي في بغداد يدعو الحكومة الانتقالية الموقرة لإعلان الأحكام العرفية لمدة 6 اشهر وهناك من يدعو في حكومة علاوي 3 اشهر وهكذا دواليك. وقبل أن نخوض في حكم الإعدام والأحكام العرفية أود أن أشير الى مسالة قد تحاول حكومة علاوي أن تتناسها أو تحاول حجب الحقيقة عن جماهير العراق، هي إن من ينفذ العمليات الإرهابية وطرف في الصراع الإرهابي هم من نصبوا مالك دوهان وحكومة علاوي. واقصد القوات الأمريكية، والجانب الأخر من الصراع هو الإسلام السياسي، وبقايا رفاق علاوي من المجرمين البعثيين الذين طلب لهم الصفح وادخل قسما منهم في الخدمة والقسم الاخر يعاد تأهيله حسب الظروف الجديدة. ودعا علاوي أيضا الى المصالحة الوطنية مع هذه العناصر. وهنا ليس على علاوي إلا أن يذكر جميل الإدارة الأمريكية عليه، فلولاها لما أصبح السيد علاوي رئيسا للوزراء الذي لا يعرفه في المجتمع العراقي غير رفاقه البعثيين الذين امضوا في الخدمة معه وعناصر من موظفي السي آي إي. انه بحق كرزاي العراق الجديد واستطاعت امريكا بعد طول عناء أن تجد ضالتها في علاوي.

وإذا عدنا الى موضوعنا وهو إعادة تنفيذ عقوبة الإعدام بعد "التحرير" الذي يطلق عليه الرفيق منصور حكمت الاسم الشرعي للدولة على جريمة القتل، فإنها تنفذ بشكل رسمي لكن دون حكم قضاء ومراسيم مع توقيع رئيس دولة وهو جورج دبليو بوش. فالحرب الإرهابية بين القوات الأمريكية والإسلام السياسي تقتنص حياة العشرات من الأبرياء يوميا. وكلا الطرفين يبرران جرائم القتل وإضفاء الصفة الرسمية والشرعية عليهما. فالقوات الأمريكية تتحجج بأنها تريد الديمقراطية والاستقرار للعراق والمنطقة فلها الحق أن تحول مناطق ومعيشة الناس الى جبهات للقتال وتقتل كل من يصادفها بشكل عشوائي وجماعات الإسلام السياسي تبرر أعمالها اللانسانية بحجة محاربة الأمريكان وتحرير ارض المسلمين. بيد أن كلا الطرفين عاصرت البشرية ممارساتهما وادعاءاتهما وجرائمهما ونفاقهما السياسي. فمثلما نتذكر جرائم القوات الأمريكية في دول امريكا اللاتينية وفيتنام والصومال وما نشاهده في العراق اليوم. نستطيع أن نستنتج بكل بساطة  ان القوات الأمريكية أينما حلت يحل معها الدمار والخراب وعدم الاستقرار. ونستطيع ان نرى الطرف الاخر وجرائمه في إيران والجزائر والسودان وواشنطن ونيويورك والعراق أيضا..

لكن حكومة علاوي تدرك جيدا ان لا هيبة للدولة التي تريد ان تنشئها امريكا في العراق دون إرهاب المجتمع وكسر شوكة معارضيها ومخالفيها. وان عقوبة الحكم بالإعدام هي أحدى الوسائل الناجعة في الترويع والسيطرة على المعارضين السياسيين. فإذا كان المبرر بالنسبة لإعادة حكم الإعدام كي تقوض العمليات الإرهابية فان القوات الأمريكية لم تدخر وسعا من ممارستها الوحشية وعنجهيتها وغطرستها بحق جماهير العراق. ومع هذا ان رقعة العمليات الإرهابية تتسع يوما بعد يوم.

 أما حول إعلان الأحكام العرفية فتبريرها أسخف من تبرير عقوبة الإعدام. ففي الحقيقة طوال أكثر من عام وفي العراق إحكام عرفية غير معلنة بشكل رسمي، حيث منع التجول بعد الساعة العاشرة ليلا موجود في أغلبية مدن العراق ما عدا كردستان. وان القوات الأمريكية تقتل كل من يلوح لها بجذع شجرة، وتعتقل كل من تشاء وتضيع في غياهب السجون وتمارس إشكال من التعذيب النفسي والجسدي بحق المعتقلين وتداهم البيوت ليلا وترويع الأطفال والنساء والشباب وتضع الأكياس على رؤوس ذويهم أمامهم. وليس مقترح بوش في هدم سجن أبو غريب إلا للتخلص من فضيحة تعذيب المعتقلين فيه تحت إشراف قادته العسكريين. رغم ان علاوي يريد ان يحتفظ به مبررا إياه ان يبقى للتاريخ. فمثلما قيل أبان حكومة قاسم حول سجن نقرة السلمان كي يبقى ذكرى ثم شيد بعد ذلك من جديد. يحاول علاوي ان يعيد نفس التجربة الانفة الذكر إزاء سجن أبو غريب. والحق يذكر هنا حيث لا أموال لحكومة علاوي الآن لبناء سجون جديدة تستوعب مخالفيه ومعارضي وجود القوات الأمريكية بعد 30 حزيران. فهل الأحكام العرفية التي مارستها القوات الأمريكية قوضت العمليات الإرهابية أم صّعدت منها!   

 ان حكومة علاوي تدرك جيدا أكثر من أي طرفا آخر، مادامت القوات الأمريكية موجودة في العراق فالإرهاب سيتواصل معها ولهذا نصب علاوي على راس الحكومة الانتقالية لإعطاء الشرعية لوجود تلك القوات في العراق. وبالرغم ان وكيل وزير الداخلية رد على مقترح المجلس حول إعلان الأحكام العرفية بأن الظروف غير مؤاتية الآن. إلا ان التلميح لها هو بحد ذاته مؤشر خطير تريد الإدارة الأمريكية من خلاله تنفيذ إعمال القمع والتنكيل وتصفية مخالفي مشاريعها وبرامجها في العراق عن طريق عملائها. وأخيرا يبدو بوش أذكى من حكومة علاوي والمأجورين لها حيث قال ان العمليات الإرهابية ستستمر حتى بعد تسليم السلطة للعراقيين.

ان القضاء على الإرهاب في العراق ليس بإعادة حكم الإعدام وإعلان الأحكام العرفية والممارسات الوحشية واللانسانية بل برحيل القوات الأمريكية والبريطانية من العراق وإحلال قوات دولية محلها وحل حكومة علاوي وتشكيل حكومة انتقالية غير قومية حكومة علمانية منتخبة من ممثلي الجماهير تكفل كل أشكال الحريات الإنسانية.