الحزب الشيوعي العمالي العراقي والدين

سمير عادل

 

ليس بجديد على الشيوعيين، ان يشهر بوجههم سلاح معاداتهم للدين من قبل اعدائهم من الطبقة البرجوازية. فالدين الذي اركنته نفس الطبقة البرجوازية جانبا بعد الثورة الفرنسية، واقصي من التدخل في حياة المجتمع واصبح شأنا شخصيا بالافراد، اعيد من جديد من لدن نفس الطبقة لتخدير الجماهير كأحدى الوسائل المهمة لادامة الاستثمار واستغلال الانسان وتقديس المجتمع الراسمالي القائم على  نظام العوز والفاقة والجورمن اجل حفنة من الطفيليين. ومنذ البيان الشيوعي عام 1848 الذي أصدره ماركس وانجلز، بذلت البرجوازية محاولات كثيرة في محاربة الشيوعيين تحت عناوين مختلفة منها "ان الشيوعيين يدعون الى الاباحية الجنسية ومعاداتهم للدين…". وبالرغم من ان البرجوازية الصاعدة  في فرنسا عام 1789 هي التي شرعت اول قانون للالحاد واصبح بندا من الدستور الفرنسي، الا انها اول من اعاد الدين الى المجتمع كمؤسسة ايديولوجية تنتج الافكار والقيم لتخليد ازلية النظام الراسمالي وتقديس ابدية نظام اللامساواة، كنظام آلهي مفروض على المجتمع البشري. وكانت محاولات بونابرت في الغاء قانون الالحاد وفرض الضريبة على الورق جزء من الحملة التي شنها لتقويض الحرية ومحاولة منه لتخليص المجتمع من الثورات العمالية اللاحقة. وهكذا عادت الكنيسة المستبدة والقمعية التي اقصيت من حياة الجماهير في الغرب، بشكل آخر الى المجتمع من قبل نفس الطبقة التي نفتها. ويمكن ملاحظة دور الكنيسة في امريكا الشمالية بشكل واضح كنموذج لما قلناه  في الغرب، وخاصة بعد احداث الحادي عشر من ايلول.حيث استل هذا السلاح الدعائي والسياسي من غمده من قبل ادارة بوش في ما سميت بحملته "ضد الارهاب". ولولا انتقادات التيار الليبرالي في اوربا لمضى بوش في حملته الصليبية كما اعلنها بكل صراحة ووقاحة  منذ تلك الاحداث.

ولو عدنا الى فترة الحصار الاقتصادي، تلك الفترة الحالكة في حياة جماهير العراق، نجد ازدهار الدين والافكار القدرية. ولقد لعب نظام صدام الدموي من خلال حملته الايمانية الى جانب الجوع والفقر المدقع الذي تخللته دولايب الدم والتعذيب وقطع الالسن والاذان في فرض الاسلمة على المجتمع العراقي. فكانت محاولة ناجحة لانقاذ نظامه خلال كل هذه السنوات من الاطاحة به من قبل الجماهير.

 فيما يخص الحزب الشيوعي العمالي في العراق، فأنه ينظر الى الدين كما جاء في البيان الشيوعي لماركس وانجلز وهو كونه ايديولوجية الطبقة البرجوازية لجر الجماهير للحيلولة دون مس اسس العلاقات الرأسمالية "علاقات الاستغلال" التي تستند هذه الطبقة عليها في ادامة وجودها على حساب الجموع الغفيرة من العمال والنساء والاطفال. ولم يكتف الدين في لعب دوره في خداع الجماهير وتخديرها، بل اصبح وسيلة لتقسيم المجتمع العراقي بيد الاحزاب الاسلامية وغيرها من الاحزاب البرجوازية على اسس طائفية "شيعي وسني، مسيحي وصابئي ومسلم". وادامة وجودها من خلال هذا السلاح البتار.

 ولكن المثير للسخرية، عندما تحاول جميع القوى البرجوازية في مجلس الحكم وخارجه في ترويج دعايتها بمعاداتنا للدين لوضع الحواجز النفسية والايديولوجية بين الحزب الشيوعي العمالي والجماهير" انظر مقال: المارد الشيوعي ينهض في العراق-العدد 131"، ناسين ان الجماهير لا تنجر وراء الافكار بل وراء مصالحها المادية. ولو لا آلة القمع ومصادرة الحريات والسيطرة على ثروات المجتمع لما كانت لهذه القوى القدرة على الاستمرار ولو يوما واحدا. ومن جانب آخر تعطي لنفسها الحق والشرعية لترويج الخرافات الدينية للتفريق بين البشر وتلجأ الى الحلال والحرام" كما يقولون لتصفية كل من لا يؤمن بأيديولوجيتهم. لكن عندما نفضح تلك الممارسات عن طريق دعايتنا وتحريضنا، تنقلب الدنيا ولا تقعد، بأن الشيوعيين اعداء الدين وكفار وملحدين وزنادقة وشعوبيين ومجوس… كما كان يحلو للبعث نعت مخالفيه.

ان برنامج الحزب الشيوعي العمالي واضح وجاء فيه حرية الدين والالحاد. ان الشيوعيين يوجهون نقدهم للدين كما يوجهون نقدهم للفلسفة والاخلاق والاقتصاد ..وغيرها من البنى الفوقية للنظام الرأسمالي. الا ان القوى البرجوازية لا تكترث لانتقاداتنا الاخرى مثلما تكترث لانتقادنا للدين. انه السلاح الماضي ودونه لا معنى للحياة بالنسبة لهم. انها تريد ان تظفر بالدنيا اما الاخرة فهو للمحرومين والجياع. والحق يقال هنا فأن المحرومين والمضطهدين يخسرون الدنيا أيضاً. وفي الاخرة ايضا ينتظرهم الجهنم لانهم لم يوالوا ولم يطيعوا ممثلي الله في الارض. ان الدين كما هي "القومية" ايديولوجية لمسخ الهوية الانسانية للبشر. انهما وسيلتين بيد البرجوازية لفرض الاستغلال والاستعباد والتفرقة على اساس المعتقد والجنس بين البشر. نحن لا نعترض طريق أي انسان يؤمن بأي معتقد كان مثلما ان لاي شخص الحق في ألا يؤمن بأي دين. لكن السؤال الذي اريد طرحه هو: لماذا يجب ان نعرف الانسان على اساس قوميته ودينه؟ لماذا لا تقبل هذه القوى تعريف الانسان بهويته الانسانية؟ لماذا لا يصبح الانسان مقدساً وحقوقه وحرياته مقدسة؟ لماذا يجب ان تقدس المعتقدات والافكار؟ ان المسالة واضحة، فدون الدين لا معنى لوجود هذه الاحزاب التي تعتاش على اساس مسخ الهوية الانسانية. واخيرا اخاطب الذين يريدون منا ان نجامل القوى الاسلامية وغيرها، اقول لهم أنه طوال تاريخ البرجوازية، لم تجامل البرجوازية العمال والكادحين ولم تجامل النساء والشباب في تطلعاتهم. فرضوا ادنى الاجور وحرموا الجماهير من حق السكن وابسط الشروط الانسانية في المعيشة وحاولوا فرض قوانينهم اللانسانية مثل الحملة الايمانية وقرار 137 وتأهيل الادارات البعثية القديمة وتنصيب البعثيين…وغيرها. كيف نجامل تلك القوى على حساب اولئك الذين ربطوا مصيرهم بمصير الحزب الشيوعي العمالي في الحرية والمساواة.؟!.