إنهم يموتون في ظل الديمقراطية !

 

سمير عادل

 

  صبيحة يوم 21 /1 وجدت جثة الشاب "مدحت كاظم" عند الجامع الكبير في وسط مدينة السليمانية.لقد مات هذا الشاب اثر البرد الشديد الذي انهى حياته بسبب عدم وجود مسكن أو ملاذ يؤويه. لم يكن يتصور هذا الشاب ولا آلاف منهم الذين قدموا من مناطق وسط وجنوب العراق هاربين من جحيم وسطوة النظام البعثي الفاشي، أقول لم يتصوروا أبدا بأن للديمقراطية أنيابا تفترس الإنسانية مثلما تطحن الدكتاتورية عظامها. كانوا يعتقدون أنهم تخلصوا من أحلام الرعب والسير متخفيا في شوارع بغداد والبصرة والناصرية.خوفا من أن يقعوا في كمائن فدائيي صدام والعصابات الإجرامية التابعة لقصي وعدي. لقد فاضت آذانهم بدعايات ونفاق وأكاذيب المعارضة العراقية حول التجربة الديمقراطية في كردستان العراق مما أدى بكل من يصدقها أن يلقى حتفه مثل مدحت كاظم أو يموت في شواطئ بحار العالم وهم يبحثون عن مكان يشعرون فيه ببعض الأمان.هي بحق تجربة فريدة من نوعها، أنها ديمقراطية التشرد والجوع والحرمان. فعندما لا يعرف احد هل هو حظ السيد جلال الطالباني سكرتير الاتحاد الوطني عندما تزامن موت ذلك الشاب مع مرور يوم على تصريحاته حول الديمقراطية في مناطق نفوذه والتفاخر بها إلى حد قسم هوية الإنسان في العراق إلى مجموعة قومية وطائفية مثل الشيعة والعرب وكلهم ينعمون بالحرية في ظل سلطة حزبه كحرية موت مدحت كاظم! .اوليست هذه حرية ! فلقد اختار بمحض إرادته أن لا يموت في دواليب تعذيب البعث بل على ارض كردستان الديمقراطية !إلى جانب ذلك نظمت فضائية الاتحاد في ذلك اليوم عددا من اللقاءات مع شخصيات عراقية عربية تنتمي إلى أحزاب سياسية لتسألهم عن الحرية التي ينعمون بها في مناطق نفوذ الاتحاد. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لم تلتق تلك الفضائية بمئات العرب المتواجدين في مناطق نفوذ الاتحاد وهم خارج الأحزاب السياسية؟  هل إن أصحاب الفنادق يقبلون أن يمنحوا الغرف لهم دون إعطائهم تزكية احد الأحزاب التي تدور في فلك الاتحاد؟ أو ليس ناطق اللغة العربية ما زال موضع شك ومضايقة في مناطق كردستان ؟ ثم نسال السيد جلال الطالباني وفضائيته لماذا لا يتفقدون أحوال المئات من أولئك الهاربين من وسط وجنوب العراق كي يجدوا مدى سوء الأحوال التي يعيش فيها هؤلاء في ظل ديمقراطيتهم.

يبدو إن الأحزاب القومية الحاكمة في كردستان تعودت، بفضل حروب النظام البعثي الفاشي والته القمعية، على أن موت "شخص واحد" اثر الحادث المذكور لا يعني أي شيء، والذي يعني شيئا هو كلما تصاعد عدد الموتى فان مصير مدحت كاظم لا يمثل أي معنى بالنسبة للتجربة الديمقراطية الفريدة جدا بنوعها. فما دام الإنسان لا يدهسه جهاز الاستبداد للنظام المجرم في بغداد بل ماكينة الديمقراطية، فهذا انتصار بحد ذاته وينعتونهم بلقب" شهداء التجربة الكردستانية" التي تتفاخر بها وتمتدحها كثيرا المعارضة العراقية أصحاب الرايات الأمريكية،  ولأنها تحلم مثل إخوانها في تلك الأحزاب بامتصاص ثروات المجتمع وتحويل معيشة وحياة الملايين من البشر في العراق مثل حياة مدحت كاظم بعد صدام حسين.

 لعل احد قادة الأحزاب القومية الحاكمة في كردستان سيستشيط غضبا عندما يقرا مقالي هذا ليقول: من قال "للعرب" أن يأتوا إلى كردستان، نحن لسنا مسئولين عنهم، وان نظام صدام حسين يرسل جواسيسه لتخريب هذه التجربة فعلينا الاحتراس من ا"لعرب". عندئذ نحن نقول: اذا كفى رياء ونفاقا والتباهي بهذه الديمقراطية وكفى للمعارضة العراقية أن تستشهد بهذه التجربة التي لم يحصل فيها الإنسان في كردستان والهاربين من الدكتاتورية إلا على بؤسهم وشقائهم.فعندما ينتفي للإنسان في أي مكان للعالم حقه في الإقامة و السكن والسفر وتحت ذرائع مختلفة يتم مصادرة ذلك الحق، فأن ذلك النظام الذي يعيش في ظله لا يعدو أن يكون معاديا له مهما أطلقت عليه من تسميات ومهما حاولوا تجميل وجهه البشع.