في تخاذلهم قوة !

سمير عادل

 

  تشهد مئات المدن في العالم احتجاجات عظيمة ضد سياسة الحرب الامريكية التي تريد فرضها على جماهير العراق .وتزداد يوما بعد يوم وتيرة تلك الاعتراضات سواء على شكل تظاهرات ومسيرات او على شكل دروع بشرية قدمت الى العراق او على شكل الرسالة التحذيرية التي وجهتها خمس نقابات عمالية كبيرة في بريطانيا الى توني بلير رئيس الوزراء البريطاني مفادها انها ستعلن عن اضرابات كبيرة تشل البلاد في حال اعلان الحرب وسقوط اول قذيفة على العراق .

في هذا الوقت بالذات، وفي الجانب الاخر، تحاول بعض الدول التي ليس بمقدورها ان لا تدور الا في الفلك الامريكي، العمل على الحصول على بعض الغنائم  مع بدء احتلال القوات العسكرية  للولايات المتحدة الامريكية للعراق . فالحمّية والدعاية الحربية  التي تنظمها وسائل الاعلام الامريكية على قدم وساق مع تصاعد الحملة الدبلوماسية الامريكية، ومحاولة ارشاء او شراء اصوات الدول داخل مجلس الامن لاستصدار قرار يعطي الشرعية بشن حرب على العراق، قد فضحت المبررات الامريكية-البريطانية واثبتت صفاقتها لنزع العراق اسلحة الدمار الشامل. ولعل كان احد ابرزها مفاوضات موفدي ادارة بوش مع الحكومة التركية التي تطالب الاخيرة بـ30 مليار دولار، 10 منها على شكل منح والباقي على شكل قروض، مع الحصول على حصة في حقول نفط كركوك والموصل، الى جانب ضمان ممثل لها في الحكومة المقبلة بعد رحيل نظام صدام، يسبقها دخول قواتها العسكرية مع بدء الحرب على مسافة ستين كيلومترا طولاً داخل مناطق كردستان، و تجريد الحزبين القوميين الكرديين الحاكمين من سلاحهما.

المطالب التركية الاخيرة بثت الهلع في صفوف الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني وكأن "تركيا اتاتورك" قد نكثت بوعودها وغيرت من سياستها الفاشية وبطشها تجاه الاكراد طوال السنوات الماضية. القاصي والداني يدركان بأن جميع الحكومات التركية، رغم التصريح الاخير لمسعود البرزاني بأشادته بحزب العدالة بعد تسلمه للحكم وان مواقفه معتدلة، تنافست على ترسيخ الشوفينة القومية التركية تجاه الاكراد، وان الذي غض النظر عن سياسة تركيا كل هذه السنوات هما هذان الحزبان الحاكمان، ويريدان الان من خلال تحريك جماهير كردستان ضد الصفقة التركية –الامريكية،  ليس من اجل الحيلولة دون تحويل منطقة كردستان الى جبهة حرب، او تحويلها لمنطقة تصفية حسابات الجيش التركي مع أكراد تركيا وتمردهم في نيلهم حقوقهم  القومية، بل من اجل الحفاظ على سلطانهم. ولم يكترثا ابد بالويلات التي ستجلبها هذه الحرب على سكان كردستان والانجرار وراء السياسة الامريكية ولم يعيرا اي اهتمام الى تلك الاعتراضات العظيمة ضد الحرب التي اجتاحت بلدان العالم، ولم يتحرك الوجدان الانساني لديهما حتى عندما كشف البيت الابيض عن جزء من خطته العسكرية وهي ضرب المدن العراقية ب 6000 صاروخ، وحتما ستكون كردستان احد النقاط التي ستنطلق منها هذه الصواريخ التي ستقتنص اناسا لن يتذكروا من حياتهم  سوى سنوات الحرمان والقهر معا.

اقول لم يكترثا لكل ما سيحدث للمجتمع العراقي، بل راحوا يقفون حائلا دون اتساع الاعراضات الجماهيرية في كردستان، سواء ضد التصريحات التركية في اجتياح جيوشها مناطق كردستان، او ضد الحرب التي تريد امريكا اشعالها في العراق. فالموقف المتردد والخجول والخائف التي اتسمت به مواقف الحزبين الحاكمين في كردستان تجاه الصفقة التركية-الامريكية عن طريق تنظيم تظاهرات في يوم 26 شباط، ليس بمشاركتهما بشكل مباشر بل عن طريق منظماتهما الجماهيرية كي لا يغضبا الفاشيين في الحكومة التركية، اويزعل منهما السادة رامسفيلد وكولن باول. والابعد من هذا تعرض قوات الامن"الاسايش" عبثا للحزب الشيوعي العمالي العراقي وجماهيره في مناطق السليمانية والحيلولة دون رفع راياته التي نقشت عليها ادانة السياسة التركية وشجبها للحرب الامريكية على العراق  في تلك التظاهرة تحت ذريعة ان الحزب المذكور له مواقف معادية للحرب وللسياسة الامريكية  وان هذه التظاهرات ليست ضد الحرب وليس هناك اطراف حزبية مشاركة فيها ..الخ، اضافة الى ذلك كي لا يظهرا بأن جماهير كردستان تشارك احتجاجات الملايين من الاحرار في العالم ضد البربرية الامريكية التي تحاول ان تعممها على العالم .

يا ترى هل ان ثمن سياسة التخاذل التي تسير عليها هذه المعارضة المصنفة تحت عنوان "المعارضة العراقية" هو الحصول على جائزة من السادة في البيت الابيض الامريكي في زمن لا جوائز فيه كما علق احد المراسلين الصحفيين على اجتماعات المعارضة العراقية الذي عقد في مدينة صلاح الدين اخيراً؟