حل حذر أم إجرام وحشي و عشوائي

الفلوجة نموذجاً للعجز الأمريكي.

شمال علي

 

 

هناك مشكلة كبيرة في فهم أسماء العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الأمريكية، فمن "توفير الراحة" إلى "إعادة الأمل" مروراً بــ"الصدمة و الذهول" وصولاً إلى "الحل الحذر"، تتعدد الأسماء التي لا تربطها بالواقع ومسمياته سوى دماغ مطلقيها، فتوفير الراحة لم تكن سوى عملية حرمان الملايين من سكان كردستان من أية راحة، فقد حرموا طوال 13 عاماً، إلى جانب الإحساس بالطمأنينة، من أبسط حقوق الإنسان وهو حق المواطنة والانتماء إلى دولة معينة، وقد وضعوا بين سندان التهديد المستمر لعودة النظام العراقي ومطرقة تدخل الدول المجاورة، لتمزقهم الحرب الداخلية كما لم يتمزق مجتمعهم من قبل، وعملية إعادة الأمل لم تعني سوى تأجيل، بل إلغاء الأمل بالنسبة للملايين من الصوماليين الذين ما زالوا يبحثون عن مخرج من أوضاع اللادولة، والفوضى المتحولة إلى حالة دائمية وقانونية. الصدمة والذهول لم يذهل أحد ولم يصدمه قدر ما فعل بالقائمين بها، وما زالت القوات التي جاءت لتستقبل بالورود يُذهَل كل يوم أكثر فأكثر من تداعيات ما اقترفته يداه في العراق. ولكن كل ما سبق لا يطغى على تناقض ما سمي بالحل الحذر مع الواقع ومع ما يجري في الأرض.

لقد حاصرت القوات الأمريكية مدينة يبلغ تعداد سكانها أكثر من 200 ألف لمدة أسبوع وأمطرتها بحمم من صواريخها وقنابلها، وقتلت زهاء 600 شخص ودمرت أكواخاً وبيوتاً على ساكنيها وأجبرت الناس إلى دفن قتلاهم في حدائق مساكنهم، ومنعت جرحاهم الذين تجاوز عددهم الـ1200 من تلقي العلاج الكافي، كما منع السكان حتى من فرصة الهروب والابتعاد عن النيران، وسميت تلك العملية بالحل والانكى من ذلك بالحذر.

ولكن إطلاق التسميات هنا لا تأتي لإقناع الناس بحقيقة الأمور قدر ما يراد منها إعلامهم بطريقة حكام أمريكا وطبيعة حلولهم ومعاني حذرهم. وتأتي التسمية لتضيف عاملاً آخر من عوامل الضغط على المناهضين لسياسات أمريكا ورادعاً لمن "تسول له نفسه" الوقوف بوجه الآلة العسكرية الضخمة التي تبغي إعادة صياغة حاضر ومستقبل عالمنا وفق منطق القوة ومبدأ البقاء للأقسى.

لا تأتي التسمية إلا في سياق سياسة "حلول" أمريكا لمعضلات عالمنا الحالي، فكما أن الإرهاب الإسلامي في الحادي عشر من سبتمبر يؤدي إلى "الحل"الأفغاني والعراقي، لا يمكن ضمن هذا التصور "حل" مشكلة حارقي الجثث إلا في اتخاذ سياسة الابادة الجماعية وحرق عشرات الأطفال وهم أحياء. لا تمثل الفلوجة والجرائم البشعة للقوات الأمريكية في هذه المدينة إلا نموذجاً مصغراً ومركزاً لإرهابٍ يتوسم في الإرهاب الإسلامي عدواً تضفي حجة محاربته الشرعية على أساليب أقل ما توصف بها هي اللاإنسانية والوحشية ومبرراً للسعي باتجاه تحقيق أهداف رجعية ومعادية للبشر.

لست من رافضي اللجوء إلى الأساليب العسكرية واستخدام القوة في مجابهة الإرهاب الإسلامي كسبيل للحد من آثار جرائمه، إذ لا عقل ولا جدوى من اتخاذ الحوار وسيلة لإقناع من ينهال على الجثث المتفحمة بالضرب ليسحلها بعد ذلك ويعلقها آخر الأمر على الجسور، بضرورة احترام بقايا الآدميين وهم أموات، دع عنك حق البشر في الحياة. لا مناص للمجتمع أي مجتمع من استخدام قدراً معيناً من العنف لمجابهة الإرهاب والإجرام بما فيها الإجرام الإسلامي، وشجب العمليات الأمريكية الوحشية في الفلوجة يجب أن لا تنطلق أبداً من تصورات تؤمن بعكس هذا. ولكن شتان ما بين تلك والأساليب الأمريكية، إن أمريكا بإرهابها وغطرستها العسكرية تجذر الإرهاب الإسلامي بدل اجتثاثها له ويقرب ويعظم من خطره وذلك للأسباب التالية:

أولاً: إن الإرهاب الأمريكي الذي يتجاوز كل الحدود والمحظورات، القتل العشوائي والقسوة المجردة من كل حس أخلاقي وإنساني الممارسة من قبل الجيش الأمريكي تغذي الإرهاب الإسلامي، وتمده بالوقود لإشعال النار في كل ما هو غير إسلامي، وتعطيه من المسوغات ما يكفي لتبرير حقدها على الغرب كله دولاً وحضارة وثقافة وبشراً.

ثانياً: كون القوة المسلحة تستخدم من قبل دولة كأمريكا المعروف تاريخها وسجلها الأسود، ينقلب حتماً في نظر الكثيرين إلى شهادة حسن السلوك لأشد التيارات الإسلامية إرهاباً وأكثرهم وحشية. الجماهير في العراق اليوم بالرغم من سخطها العميق على أساليب و سياسات ووجود العصابات الإسلامية لا يمكنها أن تتعاطف بأي حال من الأحوال مع "الحلول" العسكرية لأمريكا، فأمريكا تفتقد إلى الشرعية في كل ما تقوم بها، فلا شرعية لادعاءات بحفظ أمن المواطنين لمن دمر وخرب المدارس والمستشفيات وقتل عشرات الآلاف من الأبرياء في حروبها وعملياتها العسكرية خلال 13 عاماً ضد جماهير العراق ، ولا مصداقية لأكاذيب الدفاع عن الحرية والإنسانية لمن مارس أبشع سياسة لتجويع مجتمع وقتل نصف مليون طفل بالحصار.

ثالثاً: إن القسوة المفرطة من قبل أمريكا ضد أعدائها الإسلاميين يوازيها سياسة دعم وتعاون أو على الأقل التهادن مع التيارات الإسلامية الموالية لها والتي لا تقل عن الآخرين عداءً للمدنية والعلمانية والجماهير التحررية، وموقعها في العراق كقوة محتلة تفرض عليها ليونة اكبر مع التيارات الإسلامية "الصديقة" لحفظ التوازن وإدامة تحكمها بمصير العراق والمنطقة، ويبدو إن من نتائج الصراعات الأخيرة تقوية التيار الإسلامي وتثبيت موقعه أكثر من قبل. الإسلام السياسي لا يبيض إلا إرهاباً ولا يثمر إلا قمعاً ومنعاً لأبسط الحقوق الإنسانية،  كون أطرافه تتعاون مع أمريكا لا يعني بأن إرهابها للجماهير سيراعي أي منطق وأية معايير إنسانية، ولا يعني حتى بأنه غير مرشح للتحول يوماً ما بوجه أمريكا نفسها.

 

حتى وإن لم تكن نتائج العمليات العسكرية في الفلوجة على هذا القدر من الفظاعة، لا يمكن تسميتها بالحل، فأمريكا لا تستطيع أن تقدم في العراق حلولاً، لأنها هي المشكلة، حربها كان إجراماً، بقائها في العراق إرهاب، و كل سياسة من سياساتها هي معضلة بل مصائب تحتاج إلى حلول. إن حل مشكلة الأمن هو في تشكيل حكومة مؤقتة والتعاون مع قوات دولية لتأمين الأمن وإعادة بناء المدنية في العراق، ولكن شرط أن يترافق ذلك مع انسحاب الجيش الأمريكي وكل من ساهم في ائتلافها الحربي من العراق. إن حل معضلة الإسلام السياسي وخلاص الجماهير من شر وإرهاب هذا التيار الرجعي هو في تقوية الحركة العلمانية والتحررية في العراق وطرد عصابات الإسلام السياسي من الساحة وفرض التراجع عليهم، ولا يمكن أن يحدث ذلك بدون فرض التراجع على أمريكا أيضاً التي ما برحت تقوي وتغذي الإسلام السياسي بحروبها واحتلالها وسياساتها الرجعية وإجرامها الغير حذر أبداً.

 

‏12‏/04‏/2004