الشرق و"الانتخابات الديمقراطية" أو تسويف لإمبراطورية الحرب

 

خسرو سايه

 

 

 

انتهت الانتخابات الفلسطينية، التي كانت تعد حلقة من مسلسل الانتخابات التي كانت مقررة سلفاً في الشرق الأوسط، والانتخابات التي من المزمع إجرائها في 30 من الشهر الجاري.  وفي السعودية تجري انتخابات لمجلس البلديات في 10 من شهر شباط القادم.

 من الواضح إن أساس مبحث الدعاية الأمريكية التابعة للبنتاغون، الذي دفع بها لإطلاق التصريحات، ينطلق من إن تثبيت العملية الديمقراطية في الشرق، هو بمثابة بداية لـ" إيجاد السلام العالمي". ألا انه ليس هناك شيئاً أكثر سخفاً من هذه الإدعاءات، خصوصا إن " الانتخابات والديمقراطية" التي من المقرر إن تقلل من الاستبداد والسلطة الفردية والشمولية على الجماهير، وأن تشرعن الحقوق والحريات على الأقل في المجتمع،  لا تتيح لها لا الحالة القانونية ولا الحالة الأمنية والاستقرار السياسي، سيعطي الناخبين الفرصة لأن يصوتوا بصورة سليمة. إن الانتخابات التي تقف وراءها أمريكا و سياساتها، لا تتعدى كونها عرضا لمسرحية فارغة المحتوى. ألا انه، ولإثبات صحة أقوالنا علينا أن نسوق بعض النماذج ولكن قبل ذلك، أريد التطرق إلى ألإطار السياسي العام لهذه العملية.

 

بعـــد الفلوجــة و عرفــــات

بلاغ الديمقراطية في الشرق:

الوضع الذي من المقرر أن تولد فيه الديمقراطية والانتخابات في الشرق، ليس ناتج عن أوضاع سياسية داخلية لتك البلدان التي ذكرناها أعلاه بل إن موت عرفات و أحداث ما بعد الفلوجة في العراق، أمريكا و الحرب بين ألأقطاب الإرهابية، وألاجواء التي سادت على صعيد عالمي في ظل هذه الأوضاع، كلها إطار لتموضع العملية الانتخابية والديمقراطية في الشرق.

السعودية ومنذ مدة وتحت ضغوطات" الحرب على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة، فرضت عليها الإصلاحات السياسية. ولكن فيما يخص العراق وفلسطين، لديهما خصوصيات أخرى. في العراق، الحرب و أحداث الفلوجة كانت عكازتي أمريكا لعبورها المستنقع، الذي وقعت فيها. لم يكن قمع " الإرهاب" وإيجاد أجواء من الاستقرار وتهيئة الأرضية لإعادة بناء الدولة عن طريق الانتخابات القادمة في العراق، الهدف الذي تتعقبه أمريكا، بل تعبئة دول الغرب ومنظمة ألأمم المتحدة، و إزاحة فرنسا و ألمانيا وروسيا كدول منافسة لها، هذا ناهيك عن هدف أخر، وهو إزالة الشكوك التي تراود تحالفها إزاء قدرتها على تحقيق الأمن و حل قضية الإرهاب في العراق.

بعد أحداث الفلوجة، أجتمع ممثلو أكثر من 20 بلداً وحزبا ومنظمة عالمية وشرقية في شرم الشيخ مباشرة، ووضعت أمريكا الأسس، وهيأت الأرضية لوضع يتسنى لها فيه أن تفرض الانتخابات في العراق تحت اسم الديمقراطية، عبر المزايدات والمساومات، وأن تخلص نفسها من دوامة يقتل في ظلها العشرات من جنودها يومياً.  

ألا أن موت ياسر عرفات في فلسطين أوجدت حلقة جديدة لتربط أمريكا بوقائع الشرق الأوسط، وأعطت فرصة لها لجعل الانتخابات فيها قضية اليوم، في أكثر بؤرة توتراً في المنطقة.  فما هو بلاغ هذه الانتخابات والديمقراطية؟

أن "الانتخابات والديمقراطية" التي تجري في الشرق، وبغض النظر عن عدم توفر آليات سليمة للانتخابات، وحتى بغض النظر عن عدم وجود أدنى شروط لانتخابات حرة ونزيهة، بسبب وجود الحرب والاحتلال والإرهاب الأعمى، ليست سبلا مناسبة لبناء وإصلاح أنظمة السلطة في الشرق و ألخلاص من ألازمات التي تثقل كاهل المجتمع.

 عليه لا يمكن توقع تقليل وتخفيف سلطة القمع في الشرق و تحقيق قدر من  الحقوق والحريات من هذه العملية.  ليس في برنامج أمريكا عدم تحقيق "السلام والاستقرار" و بناء دول علمانية و حديثة في المنطقة فحسب، بل إن بلاغها وسياساتها عن طريق هذه الانتخابات للشرق، هو تثبيت خطواتها وممارساتها التي تمثل إمبراطورية الحرب وفرضها على العالم أجمع، و السحق على الحقوق السياسية والفردية والمدنية في بلدان الشرق الأوسط، وذلك ليتسنى لها عن طريق حروبها و احتلالها، و يإلاستناد على أحداث المجاعات والدمار، أن تدفع بسلطتها الفردية و إمبراطوريتها إلى الأمام بشكل مستمر. إذن وبعد هذا التوضيح، نتطرق إلى سوق بعض النماذج:

 

ديمقراطية الشرق

ديمقراطية على شاكلة أمريكانية:

أولا: نموذج انتخابات الشرق في السعودية، الذي يجرى لأول مرة منذ أكثر من أربعين عاماً. من المقرر انتخاب 178 ممثلا لمسؤولية مجالس البلديات في 10من شباط القادم، كبداية لإصلاحات سياسية و تهيئة أرضية ديمقراطية في هذا البلد. لكن الانتخابات  سوف تجري حسب القانون الملكي لأسرة آل سعود،  فلمواطني السعودية الحق في انتخاب نصف العدد المذكور( أي نصف الـ 178) ممثلا، لكي يصوت عليه الناخبين، والنصف الأخر ينصب من قبل العائلة المالكة.

 و بالتزامن مع هذا، ولعدم وجود حق للنساء للتصويت و لترشيح أنفسهن، عليه إن الانتخابات هذه هي عملية ذكورية، فحرمان نصف المجتمع منها، يجعلها بداهة خارج " عملية الديمقراطية". إن وجود حزب حاكم ومعارض هو ضرورة لأجراء تبادل السلطة، وعملية الديمقراطية، ولكن في السعودية هذه حالة ليست موجودة وعديمة المعنى، لأنه، أولا/ الجهة التي تدير السلطة لا تملك حزباً بل جمع من شيوخ عشيرة يديرون آبارا للنفط، ,أصبحوا عائلة مالكة، و الجانب المعارض" الحزب المعارض" هو جماعة من الإسلاميين الذين لديهم  ملاحظات وانتقادات حول ضرورة وجود سيفاً أكثر بتاراً في علم "الله اكبر" بوجه الجماهير!.

 ليس هناك أدنى شك في ظل انتخابات كهذه، ليس بإلامكان بناء الديمقراطية حسب المقاييس البرجوازية، فحسب بل ليس بإمكانها أن تخفف من سلطة الملكية على المجتمع السعودي. إن هذه العملية، هي عملية معاكسة، لكي يتسنى لها أن يكتب لها النجاح على أرض الواقع، عليها أن تحافظ على سلطة "العائلة المالكة" واستبدادها وقمعها. 

ثانيا: إن ألانتخابات التي جرت في فلسطين يوم 9 من شهر الجاري، التي فاز فيها أبو مازن، استهدفت  دفع نموذج أخرى لديمقراطية أمريكية. عملية أكثر بؤسا من النموذج ألسابق. إن جماهير فلسطين التي تعيش تحت رحمة القنابل والصواريخ و صولات الجيش الشاروني، و في كل يوم تصبح مدينة أو محلة هدفا لهليكوبترات آباجي ألإسرائيلية... ليس بإمكان هذه الأوضاع أن تقدم حالة سليمة و أجواءَ مناسبة لانتخابات حرة ونزيهة  للجماهير لكي يتسنى لها أن تصوت!

ومن جانب أخر إن السلطة المحلية الفلسطينية، في منطقة واقعة تحت سلطة الاحتلال، ليس بإمكانها أن تتحرك بعكس طموحات إسرائيلية، و في الوقت نفسه لا تتمتع بإطار دولة أو سلطة مستقلة وبعيدة عن الضغوطات، عليه لتتوفر فيها الشروط لإجراء انتخابات سليمة.  وعلاوة على كل ذلك، إن أبو مازن أصبح مرشحاً بلا منافس لحركة "فتح" بعد سلب حق المنافسة والترشيح من مروان ألبرغوثي وإصدار أحكام مكررة ضده.

في الحقيقة إن الواقعي في الانتخابات التي جرت في فلسطين، هو ببساطة سياسة لدفع الفلسطينيين نحو المساومة مع شارون وحكومته، بقدر ما هو تنظيم لعملية انتخابية وديمقراطية. في الحالة الفلسطينية إن مفهوم" فلسطين بعد عرفات" هو إشارة لكسر الجمود الذي لازم عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لقد كان وجود عرفات، عاملا للقلق وعدم تدخل الأمريكيين في العملية السلمية و دفع مشروع" خارطة الطريق" لبناء دولة فلسطينية، لم تكن قضية الانتخابات مطروحة في الساحة الفلسطينية، وكان موته بمثابة فاتحة الطريق لتغيير هذه الأوضاع وجعل من الانتخابات أمرا واقعاً.

 إن بلاغ هذه العملية هو انتخاب محمود عباس عبر عملية ديمقراطية كوريث لعرفات و كرئيس جديد للفلسطينيين، عليه إنهاء حركة ألانتفاضة لصالح الدولة الإسرائيلية و اتخاذ خطوات صوب عملية المفاوضات والمساومة مع شارون. تحميله الوظائف التي فرضتها أمريكا وإسرائيل على كاهله، جعله يظهر بمظهر المرشح الأمريكي بقدر ظهوره كرئيس لدولة الفلسطينية... هذه هي الديمقراطية التي تقدمها أمريكا في فلسطين. 

ثالثا/ العراق هو حلقة أخيرة من النماذج الديمقراطية والانتخابية على الشاكلة الأمريكية في الشرق. في هذا النموذج نغض الطرف عن النسبة المئوية التي ليس بإمكانها المشاركة بسبب انعدام الأمن والإرهاب والإنفجارات والحرب والتهديد، ونغض نظرنا أيضا عن عدم معرفة الجماهير في العراق ببرنامج و خطة عمل المرشحين والأطراف المشاركة في الانتخابات.  و حتى بغض النظر عن الشرعية القانونية و الأجواء السائدة على الجماهير، جاءت الانتخابات بعد أحداث الفلوجة و مدن العراق الأخرى.

إن ألانتخابات التي يزمع إجراءها بعد أحداث الفلوجة و مدن العراق الأخرى، تحت الاحتلال و الإرهاب الإسلامي، و التي تهدف إلى إعادة هيكلة الدولة، ليس بإمكانها أن تقنع جماهير العراق، وان تجعلها تلمس تغيرا إيجابياً في حياتها مقارنة بما عاشته في زمن حكومة البعث البائد.   

 إن بناء الدولة الجديدة في العراق، لا يمر عبر الانتخابات و الديمقراطية على النمط الأمريكي. حيث قسمت السلطة في هذا السيناريو بين الجماعات القومية والإسلامية والعشائرية المؤيدة للأمريكان وسياساتها، الجماعات التي لا يجمعها مع بعضها البعض أي قاسم مشترك، وهذه سياسة عقيمة منذ خطواتها الأولى.

 مشكلة " الفدرالية" و "الإسلام" و تعريف الدستور ونوع الدولة، العلمانية والحقوق والحريات الفردية والمدنية للجماهير، المساواة بين الرجل والمرأة، و قضية الجماهير في كردستان و قرارها في الاندماج مع الدولة الجديدة... كل هذه المسائل والقضايا عوامل لشد وجذب بين الأطراف الموجودة في المجلس الوطني الذي من المقرر أن يؤسس عبر الانتخاب، التي تشكل بمجملها حالة لإنزلاق و اختلال في  توازن القوى في أية لحظة، تهدد بتدمير المجلس معها. في هذه الأوضاع، أمريكا هي التي تطالب الانتخابات وليس الجماهير هي التي تطالب بها. عليه، بإمكاننا أن نقول إن الذي يجري في العراق تحت اسم الانتخابات والديمقراطية ليس إلا تكرارا واستنساخا لنموذج أفغاني، نموذج سيفرز حروب دائمة بين الجماعات القومية و الإسلامية على معيشة الجماهير.

النماذج المذكورة أعلاه، تظهر حقيقة إن ألانتخابات والديمقراطية على الطراز الأميركي في الشرق، ليس بإمكانها إلا فرض إمبراطورية الحرب والاحتلال على حساب سحق الحقوق والحريات الفردية  المدنية والسياسية لجماهير الشرق الأوسط، وسلب حقوقها في امتلاك قرارها السياسي لبناء دولة معاصرة لا تعيدهم إلى أوضاع الدكتاتورية و المجاعة و انعدام الحقوق.

 

الديمقراطية تبرير لإمبراطورية الحرب:

إن نماذج " الانتخابات والديمقراطية" في الشرق الأوسط،  فقط بإمكانها أن تتحقق في أرض الواقع إذا وقفت وأيدت السياسات الخارجية لأمريكا و جعلتها سياسة ثابتة لها. سلطة الجماهير، القوانين الدولية، الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، احترام لاستقلال الوطنية، العلمانية، حق المواطنة... وعشرات أخرى من المفاهيم والمقولات التي جاءت بها البرجوازية على طريقها لبناء الدولة في الغرب، والحفاظ على المجتمع الرأسمالي و البنية الفوقية السياسية والديمقراطية. إن كل هذه المقولات أبعدت تماماً  في عالمنا المعاصر، و حلت محلها  التعددية السياسية، وهذه التعددية ليست إلا إجراء لتبادل السلطة بين ألإطراف القومية والدينية من مؤيدي أو معارضي السياسة الأمريكية. ولكن هذا ليس كافيا لإظهار حقيقة الديمقراطية في عالمنا المعاصر.

طرحت مرحلة القطب الواحد، القيادة الفردية لأمريكا منذ زمن بعيد من قبل إستراتيجي البنتاغون. إن جشع الرأسمال والبرجوازية والإمبريالية، يستحيل بدون اللجوء إلى الحروب و توسيع مناطق النفوذ والاحتلال، و على هذه الشاكلة إن بناء إمبراطورية الرأسمال كان دائما حلما يراود الطبقة البرجوازية. التعطش للربح و تراكم الرأسمال، هو عامل ودافع أساسي لطبقة البرجوازية، لتوسيع مناطق نفوذها و رقعة أسواقها، وتسويق "إمبراطورية الرأسمالية المعاصرة". ولكن الإمبراطورية سواء في القرون الوسطى أو في وقتنا الراهن، تستوجب تبريراً وحججاً لفرضها على الجماهير.

إذا كانت الإمبراطورية اليونانية سوغت عبودية الإنسان، بفلسفة و أخلاق النبلاء اليونانيين، وإذا كانت الإمبراطورية الإسبانية والانكليزية واستعمار البلدان من أقصى الحدود، بررت بنظرية "الاستعمار" و إنشاء الخطوط الحديدية و بشرى التقدم و التمدن، وإذا بررت الإمبراطورية العثمانية بالخلافة الإسلامية ومعاريف " دار الملوك الإسلامي"، فإن تبرير الإمبراطورية الأمريكية هو الانتخابات و الديمقراطية.

إن تأريخ إلامبراطوريات السابقة سوى في اضمحلالها أو في تكوينها، ليس منفصلا عن الحروب والاحتلال و العنف. إن " إمبراطورية معاصرة" لأمريكا ليست خارج عن هذا الدستور، وإن الديمقراطية ليست سبيلا للسلام و الحوار المعاصرين. النقطة التي تستوجب علينا أن نضيفها مقارنة بإلامبراطوريات السابقة، هي  الصناعات الحربية والقوة البحرية والسلاح النووي والمؤسسات الدولية، التي تمكن من نقل السلطة الأمريكية إلى ابعد الحدود و بغطاء شرعي.... هذه هي الهدية التي تقدمها السلطة الأمريكية لجماهير الشرق، عن طريق الانتخابات.