من "أنصار العمل القانوني" الى "المقاومين" تاكتيكين وجناحين أسودين للإسلام السياسي
خسرو ساية
فتحت حرب وأحداث الأسابيع القليلة الماضية في مدن وسط وجنوب العراق، حلقة جديدة أمام حركة الإسلام السياسي في العراق. وقد عكس نشاط جماعات الصدر و"جيش المهدي" وصولاً الى الحزب الإسلامي والمجلس الأعلى واجتماعاتهم مع شيوخ العشائر والموظفين الأمريكان بشكل واضح أساليب الإسلام السياسي في اتخاذ مواقفه من قضية السلطة ورد هذه الحركات على أوضاع العراق الراهنة. ولكن إذا تأملنا هذه التشكيلة من السيستاني وملالي الجوامع الى الأفندية الإسلاميين في مجلس الحكم، من مقتدى الصدر و"الحوزة العلمية" والمراجع السنية الى الجماعات الإسلامية والإرهابية التي يرتبط بعضها بالجمهورية الإسلامية الإيرانية والسعودية ويرتبط بعضها الآخر بـ"بن لادن" وبقايا طالبان.. والتي تطرح قائمة عريضة من تشكيلة الإسلام السياسي في العراق، فإن الأحداث الأخيرة بينت عملياً أن كل هذه التشكيلة قد استقطبت الى جناحين وتمحورت حول نهجين سياسيين وتاكتيكين تجاه قضية السلطة وكيفية فرض البديل الإسلامي. فما هما هذين النهجين والتاكتيكين؟ وما هي الاستراتيجية التي بلورها الإسلام السياسي عموماً في أوضاع العراق الراهنة؟ ما هي أسس ظاهرة الاتحادات والاختلافات الداخلية للإسلام السياسي؟ وما هو الموقف الذي يتخذه الحزب الشيوعي العمالي العراقي من هذه التاكتيكات والأجنحة المختلفة لحركات الإسلام السياسي؟ ولكن في البداية لنلقي نظرة على نفس أسس ظاهرة نشاط جماعات الإسلام السياسي في حاضر العراق:
"بعد صدام" تنامي ظاهرة الإسلام السياسي في العراق:
ظهور وتنامي ظاهرة الإسلام السياسي وجماعاته في العراق، وبالرغم من أنه الحصيلة المباشرة لسياسات أمريكا والنتائج التي أفرزتها الحرب والاحتلال الذي قامت به أمريكا وحلفائها، إلا أن ظاهرة الإسلام السياسي وصراعاته في العراق، لها سابقة وإطار عالمي وإقليمي. فمن الناحية التاريخية كان ظهور الإسلام السياسي وجماعاته في العقدين الماضيين وبعد هزيمة الحركة القومية العربية ومشروع تحديث النظام السياسي وتنامي الفقر والحرمان على أرضية أزمة اقتصادية وفشل برنامج الدولة في بلدان الشرق، ومن ضمنها العراق، كمشروع سياسي من قبل الغرب للتصدي للاحتجاجات الاجتماعية للطبقة العاملة واليسار والشيوعية وراديكالية المجتمع في هذه البلدان وفي نفس الوقت للمواجهة مع الكتلة الشرقية. غير أن انهيار الكتلة الشرقية وسيادة قطب واحد على صعيد العالم وظهور استراتيجية النظام العالمي الجديد من قبل أمريكا، دفع بعلاقات الإسلام السياسي، سواء كحركات أو كجماعات وأسسه الأيديولوجية، مع الدول الغربية الى مرحلة جديدة بحيث جعلت من قضية السلطة والمطالبة بتحديد حدود السلطة على الصعيد الإقليمي والعالمي ميداناً رئيسياً للصراعات السياسية. فبعد وصول الإسلام السياسي الى السلطة خصوصاً في إيران واستحكامه في عدد كبير من بلدان الشرق ومن ثم تسلط حكومة طالبان في أفغانستان، امتد الإسلام السياسي من ظاهرة داخلية لهذه البلدان نحو صراع عالمي يطالب بإعادة تعريف مناطق النفوذ وإعادة ترتيب العالم مقابل أمريكا والغرب. وكانت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) قد قرعت ناقوس حرب عالمية حيث أعد الإسلام السياسي نفسه لهذه الدعوى وهذه الاستراتيجية وبهذا الشكل أبقى العالم داخل صراع وهجمات قطبي إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات الإرهابية..غير أن هزيمة طالبان في أفغانستان لم توجه فقط ضربة كبيرة للإسلام السياسي، بل وأنها مهدت الأرضية أمام أمريكا كي تمسك مجدداً باستراتيجية النظام العالمي الجديد تحت شعار "الحرب ضد الإرهاب" بهدف حسم معضلاتها على صعيد الغرب والشرق وفي هذه الأثناء حددت العراق كميدان مناسب لهذا الهدف. بدايةً وبغرض صياغة "معارضة وبديل النظام البعثي" مُدت اليد للجماعات الإسلامية والملالي والشيوخ وآيات الله المتواجدة في الخارج وقُدم لهم مختلف الإمكانيات، ثم ومع بدء الحرب وسقوط النظام، شكلُ منها مجلس الحكم وجُعل منها في ظل السلطة العسكرية لأمريكا ممثلة لجماهير العراق. غير أن أمريكا لم تسقط من خلال الحرب النظام البعثي فقط، بل ودمرت بشكل تام مجمل مؤسسات الدولة وأسس المجتمع المدني العراقي وفتحت الطريق لظهور سيناريو أسود ونهوض قائمة عريضة من الجماعات الإسلامية التي كانت غافية تحت ظل الحملة الإيمانية وشعار "الله أكبر" والشريعة وشبكة المساجد في ظل النظام البعثي. والأدهى من ذلك أن الحرب فتحت الحدود أمام "المجاهدين الإسلاميين" والجماعات الإسلامية لتستفيد في قلب هذه الأوضاع الجديدة من فرصة نقل حرب الإسلام السياسي لهزم أمريكا وقواتها في العراق تحت تسمية "حركة المقاومة" كمحور من استراتيجية عالمية وتبلور أقطابها في هذه الحرب.
تاكتيك الإسلام السياسي وقضية السلطة:
إن ظاهرة التعدد وتنوع جماعات الإسلام السياسي في قلب أوضاع العراق الراهنة، وبالرغم من أنها تشكل دليلاً على عدم التوافق والاختلافات الداخلية داخل هذه الحركات، غير أن الأمر وبعكس ذلك التصور الذي يرى أن هذا الاختلاف وعدم التوافق يعود الى التقسيمات المذهبية والمناهج والمدارس الفكرية لأيديولوجيا الإسلام ومن هنا يبحث عن القرب والبعد بين فرق وجماعات الإسلام السياسي، هو أن هذه الظاهرة حالة سياسية وتجد معناها مباشرة في العلاقة بقضية السلطة السياسية وكيفية ترسيخ البديل الإسلامي. خصوصاً وأن الإسلام السياسي لا هو الحركة "التبشيرية" لعصور "الإسلام المحمدي" كي تتمكن من القضاء على مشكلة تبعثر وتشتت القبائل داخل الجزيرة العربية من خلال الدفاع عن الرب الواحد بالأيديولوجيا الدينية، ولا هو حركة تعالج بعد نهاية الخلافة أزمة "السلطة الأموية" من خلال سيادة أحد المذاهب وتفرده، بل أن إسلام اليوم حركة سياسية برجوازية متعصبة ودموية، تناهض حد النخاع الإنسانية والمدنية والتمدن والتقدمية. حركة برجوازية رفعت راية الإسلام والأيديولوجيا الإسلامية تريد من خلال الإرهاب والقتل الأعمى الوصول الى السلطة السياسية في قلب أزمات العصر السياسية وفي الصراع مع الأجنحة والاتجاهات البرجوازية الأخرى في العالم الرأسمالي المعاصر وقولبة المجتمع المعاصر بقالب بديلها الأسود. هذه الحركات تقف في عراق ما بعد سقوط النظام وعدم وجود الدولة، حيث تحولت قضية السلطة والحكم محور الصراع والنزاع والاستقطاب وبروز كافة الحركات والقوى السياسية، تقف أمام وتواجه مباشرة قضية السلطة السياسية ومن هنا توجه توافق أجنحتها ووحدتها وتباعد الأجنحة المذهبية والأيديولوجية. غير أن مسالة في مواجهة أية وقائع وأية قوى تقف هذه الحركة، هو ما يحدد أساس اتخاذ أساليبها وتاكتيكاتها للوصول الى السلطة.
الإسلام السياسي وتشكيلته ليس حركة وقوة تتموضع في الميدان من أجل الإجابة على الحياة والأمن والحرية وتحقيق مجتمع مرفه وإنقاذ المجتمع من البؤس الحالي، بل أنه يشكل جزءاً من السيناريو الأسود الحالي، وله دور في ترسيخ حياة البؤس والحرب والقتل وانعدام الأمن وتدمير الحياة المدنية للجماهير، إنها حركات وقوى تعرف نفسها مقابل وجود الأمريكية واحتلالها العراق وهذا ما يحدد مضمون وجوهر نشاطها السياسي وفلسفة وجودها. بمعنى آخر أن الإجابة على السؤال: بأي سبيل وبأي أسلوب يمكن إخراج أمريكا وإنهاء "الاحتلال"؟، هو ما يحدد إطار وأساس أي من الجماعات الإسلامية وأي من المذاهب والمراجع الدينية وحتى أي من الملالي والشخصيات الدينية تقف الى جنب بعضها البعض وأي منها تواجه بعضها البعض. وبهذا فإن الموقف من وجود أمريكا واحتلالها العراق هو ما حدد مصدر منهج وتاكتيكات وصول الإسلام السياسي الى السلطة. وبهذا الخصوص فإن جناحي "القانونية" و"المقاومة" كنهجين وتاكتيكين لفصل خطوط التقارب والتباعد بين جماعات الإسلام السياسي وما يوجهه في خاتمة المطاف الأسس الأيديولوجية في قلب أوضاع العراق الحالية لحسم قضية السلطة.
للمقالة تتمة