" الاحتلال " ـ " المقاومة "

قطبين لنفس المعسكر الرجعي

الجزء الاول

خسرو ساية

 

إن تشديد عمليات البحث عن صدام حسين وتوسيع دائرة التفجيرات والتحرش المسلح، قد أوصل بشكل مزدوج، ذلك الطرح الذي يؤكد على أن الأوضاع الحالية للعراق تنقسم بين قطبي "الاحتلال والمقاومة"، إلى ذروتها. فمن جانب، نجد وسائل ان إعلام البنتاغون والمسؤولين الامريكيين يبررون لجماهير العراق ضرورة بقاء قواتهم في العراق بعد انتهاء الحرب وسقوط نظام صدام، لمواجهة فلول النظام السابق. ومن جانب آخر، نجد ان وسائل الإعلام العربية التي يقف خلفها القوميين والإسلام السياسي وأحزابهم، تبالغ في وصف كل الأعمال المسلحة وعمليات التفجير التي تشن ضد القوات الامريكية ويلبسوها رداء "المقاومة العراقية" ويبرزونها كأتجاه رئيسي وقطب مقابل لامريكا. وبهذه الصورة فإن الطرفين يسعيان إلى تصوير الأوضاع الحالية للعراق وكأنها تقابل بين جبهتين: " المحتلون والمقاومون ". ولكن هل يتسم هذا التقسيم وهذه الصورة بالواقعية؟ وهل من الممكن تسمية هؤلاء الذين يقومون بالتفجيرات والتحرش المسلح بذريعة طرد قوات المحتلين "بالمقاومة المشروعة"؟ وأية برامج وأهداف تحملها هذه الأفعال من حيث الجوهر، وإلى أي مدى تتفق مع مطلب جماهير العراق للتحرر من الأوضاع الحالية؟ ما هو موقف الحزب الشيوعي العمالي العراقي من الاحتلال والمقاومة؟ ما هو المعنى العملي لشعار "طرد القوات الامريكية من العراق"، وأية صلة يجمعها مع بحث المقاومة؟.. ولكن لنعرف اولاً أية جبهتان يقفان بوجه بعضهما البعض؟.

 

أية جبهتان متقابلتان؟

 

إن تقسيم القوى السياسية والجبهات المتضادة ضمن الأوضاع الحالية للعراق إلى قطبي" الاحتلال والمقاومة” ، يعد "تصوراً" غير واقعي ومضلل لصراعات مختلف القوى السياسية. حيث إن طرحاً كهذا إضافة إلى كونه يعطي تصوراً قومياً ومحلياً للأحداث والتناحرات السياسية، فأنه يلغي وبشكل مباشر أيضاً الوجود الفعال للقوى السياسية والطبقية داخل العراق في إطار معسكرين؛ معسكر رجعي وآخر يساري وإنساني، ويضعهم فقط في إطار معسكر رجعي واحد. ومن جانب آخر، فإن هذا الطرح يختزل البعد العالمي والحرب التي القت بظلالها على العالم أجمع من الصراعات السياسية الحالية في العراق وتقصر هيكليتها في إطار محلي فقط. وعلى العكس من ذلك فإن العراق قد أصبح اليوم ميداناً لتقابل معسكرين سياسيين وطبقيتين متضادتين تتميز القوى المؤلفة لكل منهما بالبعد العالمي. ففي الجبهة البرجوازية الرجعية تجمعت كل من: امريكا ونظامها العالمي الجديد، والدول المتحالفة معها والمخالفين لها في الغرب بالإضافة إلى إيران وتركيا والدول العربية والأحزاب القومية العربية والقوموية الكردية والإسلام السياسي. أما الجبهة اليسارية والداعية للحرية فتشمل الشيوعية العمالية والعمال والجماهير الكادحة والحركات الداعية للحرية والتمدن العالمي والتي برزت في الميدان السياسي على أساس الأرضية الحربية والسياسة العسكرتارية الامريكية. إن بروز هذين المعسكرين في الواقع لا ياتي نتيجةً للظروف السائدة بعد سقوط النظام البعثي وظهور قطبي "الاحتلال ـ المقاومة"، ولا يعود فعلياً من الناحية الزمنية إلى فترة اندلاع الحرب. إن بروز هذين المعسكرين قد تبلور في وقت سابق، من بعد عالمي وتحديداً بعد أحداث 11 سبتمبر، والحرب على افغانستان، ومن ثم بدأ التهديدات الامريكية على العراق. وفي نفس الوقت، ظهر كل منهما بشعاراته واهدافه الخاصة واقفين بعدها متقابلين بوجه بعضهما البعض. الا انه من الواضح أن كلاً من هذين المعسكرين يحمل في ثناياه عدم التوافق ومختلف الصراعات. فإذا كان الغموض وضعف الظهور المنظم للقوى في الميدان، وغموض الشعارات وتحقيق الأهداف، هو الذي يميز الجبهة اليسارية والداعية للحرية، فإن ما يميز جبهة الرجعيين وتعتبر مسألة محورية بالنسبة لها فتتمثل بمسألة عالم ما بعد الحرب ومسألة مستقبل السلطة في العراق والترتيبات السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط وبالنتيجة المصالح والموقع والنفوذ، الخاص لكل قوة وطرف في هذا المعسكر على حدة بالنسبة للنظام العالمي الجديد. وعليه فإن نزاع دول القطب الغربي المنهار وصراعاتها داخل مجلس الأمن، والتأييد أو المعارضة من قبل الدول العربية وتركيا وإيران والموافقة أو المعارضة داخل الأحزاب ( الكردية والعربية ) والإسلامية وتقسيم مواقفهم اليومية بين السياسات الامريكية الأمس واليوم، فإن هذه الوقائع بالارتباط مع الاختلافات والنزاعات السياسية الداخلية للمعسكر الرجعي سوف لا تتقدم فقط في إطار القرارات الدولية والعمل الدبلوماسي ومنح الامتيازات لبعضهم البعض، بل ستهيء الفرصة لجعل التناحرات العنيفة والعمليات التفجيرية والمسلحة، حالة طبيعية فيما بينهم. وبهذا الخصوص، فإن "الاحتلال والمقاومة" والنزاع القائم  بينهما بامكانه أن يحتل فقط إحدى زوايا النزاع القائم داخل المعسكر الرجعي بصفتهما قطبين رجعيين لنفس المعسكر برزا بعد سقوط النظام البعثي وانبعاث السيناريو الأسود في العراق، وأصبحا يثيران الاهتمام.

 

"الاحتلال" و"المقاومة" أهداف وفعل القوى:

 

لقد استخدمت القوموية العربية أدوات " الاحتلال والمقاومة " على امتداد قرن ونصف كمحور لمنظومة التفكير والتحليل لكل اشكال الوقائع السياسية وصراع القوى في البلدان العربية. والآن ايضا"، وبعد مرور مرحلة طويلة من التغيرات الاجتماعية وخصوصا" بعد التغيرات العالمية الحاصلة حاليا" وما رافقتها من تغير لموقع ونفوذ الحركات الاجتماعية، تسعى القوموية العربية للعمل بنفس التوجهات الكلاسيكية وهاهي تتحدث عن " الاحتلال والمقاومة " بالتقابل مع امريكا وتلك القوى التي تنادي بالعمل المسلح. والغرض من ذلك يتمثل فقط بمواصلة نفس المنهج والمشروع السياسيين اللذين ساعدا على ترسيخ وقوف البرجوازية العربية كل تلك السنوات أمام المجتمع العربي.  ومن المعلوم أن الوجود الامريكي في المنطقة ليس من أجل احتلال الارض والماء ونهب الثروات العراقية، ولا ان انبعاث دعاة المقاومة يعود إلى مرحلة " تحرر الشعوب وطرد المحتلين "، بل إن كلا القطبين " الاحتلال والمقاومة " من الناحية الفعلية كانا نتائج مباشرة لحرب اسقط على أثرها النظام البعثي ومن بعدها رسخ وجود القوات الامريكية في العراق. وقد هيأ كل ذلك الأرضية للتحرك المسلح بالنسبة للقوموية العربية عموماً وبقايا فلول النظام البعثي ومختلف المجاميع والزمر الإسلامية. تبغي تلك القوى، بطرح شعار " مناهضة امريكا " وطرد " القوات الأجنبية "  الى تحقيق برنامج وأهداف ذلك الجزء من البرجوازية العراقية الذي رفع راية القوموية والإسلام وأعلنها تحت مظلة  " المقاومة ". ومما لا شك إن الحرب التي فرضتها امريكا على جماهير العراق ومن ثم جلب قواتها إلى العراق بقوة السلاح والعنجهية، ضاربةً القرار والإرادة الجماهيريتين بعرض الحائط، قد وضع امور المجتمع تحت رحمة قواتها، وعليه فلا يمكن تسمية تلك القوة بشيء إلا الاحتلال. غير ان هذا الاحتلال لا يشكل بحد ذاته هدفاً بالنسبة لامريكا، بل يشكل وسيلة للتوصل إلى أهداف اخرى على صعيد المنطقة والعالم. كما إن امريكا لم تشعل الحرب من أجل النفط أو السيطرة على ثروات العراق ولا تنوي أيضاً جعل العراق مستعمرةً لها، وحتى ادعائها بجعل العراق بلدا" ديمقراطيا"، وتدمير أسلحة الدمار الشامل، والحرب على الإرهاب، لا تشكل أياً منها هدفاُ مباشراُ لامريكا في حربها التي خيمت على العالم اجمع. بل أن ما تسعى إليه امريكا سواء من خلال شنها الحرب أو ابقاء قواتها في العراق، فيتمثل بتثبيت وتطوير نظامها العالمي الجديد ومن ثم إخضاع العالم لسلطتها المنفردة. وبغية تحقيق نفس الهدف بعد انهيار القطب الشرقي، فإن امريكا أشعلت في سنة 1991 حرب الخليج الثانية. وكان معلوما" في ذلك الوقت أيضا" بأن التحرش الامريكي ضد العراق لم يكن بسبب النظام البعثي ولا بسبب إعادة شيوخ الكويت إلى كراسي الحكم، بل من أجل البدأ بمسيرة بناء نظام عالمي جديد يضمن، بانتهاء الحرب الباردة، السيطرة الامريكية على العالم بشكل منفرد.  لقد أنتصرت امريكا وحلفائها في تلك الحرب ولكنها الأوضاع لم تجر وفق أرادتها الاستراتيجية وتبين في وقت مبكر بأن تجمع الدول المتحالفة تحت مظلة السياسة الامريكية تعتبر حالة مؤقتة وغير راسخة، ومازالت الدول المتحالفة أثناء المناسبات والموازنات التقليدية باقية في خضم مرحلة الحرب الباردة وكان ذلك يدفع يوميا" الموقع والنفوذ الامريكي نحو التساؤل. لقد دفعت مثل هذه الامور  امريكا نحو خوض حرب جديدة لتحسم أمر تحقيق تقاطع استراتيجي مع هذه الوقائع وفق ما تبغيه امريكا، أي إعادة هيكلة العالم في نظام عالمي جديد. وعليه كانت عدم الاستجابة لقرارات الامم المتحدة ومختلف التشكيلات العالمية الاخرى، والتعامل مع الدول الصناعية بشكل متعالي ومتعجرف وتقوية العسكرتارية بوجههم، تعني أنها تتجه للتعامل بشكل منفرد مع المنازعات العالمية وخصوصا" نزاعات الشرق الأوسط. وكانت لا مبالاتها لأي من القرارات الدولية وحتى المتعلقة منها بحلفائها في القطب الغربي القديم، أمراً طبيعياً. إن كل ذلك ظهر بشكل ملحوظ كزاوية واحدة فقط من النظام الجديد سيما وأنها تزامنت مع قرع طبول الحرب على العراق.

ولكن بقدر تعلق الأمر ببقاء القوات الامريكية في العراق، فإن برنامج "تغيير النظام"  وتأمين تشكيل حكومة موالية لامريكا بالصورة التي تسعى إليها السياسة الخارجية الامريكية، يشكل بحد ذاته هدفاً يتفق مع هيكلة النظام العالمي الجديد وانعكاساتها في العراق والمنطقة، ويضمن النفوذ والدور الامريكي بشكل منفرد. وفي حالة كهذه، فإن ما تسعى ورائه امريكا لا ينبع من موقع الاحتلال وفق الحالة الكلاسيكية والقوموية، أي الطمع في نهب ثروات العراق والسيطرة على نفطه. وبكل بساطة فإن عملاً كهذا، في عهد عولمة الرأسمالية وقوانين السوق الرأسمالية، عندما يتم على أساس الضغط الاقتصادي من قبل دول كامريكا يكون فيها تمركز الرأسمال مرتفع، لا يمكن أن يتم دون حرب وعملية الاحتلال. ولهذا فإن ما تسعى امريكا من خلال بقائها في العراق هو تأمين موقعها ونفوذها بشكل منفرد على المنطقة والعالم.

إن الحرب انتهت من المنظور الامريكي، مع سقوط النظام البعثي، وتحقق معها المرحلة الاولى من الأهداف الامريكية. أما الجزء الثاني من أهدافها فتتمثل بالمضي قدماً في عملية "تغيير النظام" حتى صعود نظام موالي لامريكا للسلطة، وذلك يتطلب بالضرورة بقاء القوات الامريكية في العراق. في حين إن مثل هذه الحالة تعتبر من منظور القوموية العربية وبقايا فلول النظام البعثي والإسلام السياسي حالة "احتلال". بمعنى آخر إن الحرب من المنظور الامريكي قد إنتهت، أما القوموية العربية والقوموية البعثية ومختلف المجاميع والزمر الإسلامية فتعتبر تواجد القوات الامريكية بصفة الاحتلال، بدايةً لحربهم. ومن أجل هذا الغرض فأنهم يضعون كل العمليات التفجيرية وكل أشكال التحرش المسلح تحت مظلة " المقاومة ". تلك المقاومة التي هي بمثابة إعلان مباشر لحرب رجعية، لا يربطها من حيث الجوهر أية صلة بمطالب وأماني جماهير العراق، تشنها تلك القوى من أجل إعادة القوموية سواء بشكلها البعثي أو أي بديل قومي أو إسلامي آخر، إلى السلطة في العراق. إن حرباً كهذه لايمكن أن تكون حرب العمال ودعاة الحرية في العراق، هؤلاء الذين عانوا سنين طويلة من الاستبداد القوموي والإسلامي ومن انتهاك حقوقهم وحرمتهم الإنسانية.

 

للمقال تتمة