" الاحتلال " ـ " المقاومة "

قطبين لنفس المعسكر الرجعي

خسرو ساية

 

الجزء الثاني والاخير

القوموية العربية والإسلام السياسي والمقاومة:

 

إن الوقوف بوجه "الأجنبي" ومسألة احتلال أرض ومياه الوطن كان تشكل دوما" ميدانا" للتحركات والأفعال المسلحة والسياسية للقوموية العربية والإسلام السياسي في البلدان العربية. ولكن لايمكن مقارنة، المقاومة الحالية ولا الإسلام والقوموية العربية حاليا" بعهد السياسة الكولونيالية وحالة الاستعمار ولا بمرحلة الحرب الامبريالية، الأولى والثانية. وفي نفس الوقت فإن الإسلام السياسي وكذلك القوموية العربية مختلفان حالياً عن الإسلام والقوموية في عهد تشكيل الدول "القومية ـ والوطنية". كما وإن الإسلام والقوموية العربية تعتبران حاليا" كجناحين من أجنحة الحركة البرجوازية العربية التابعة لمرحة تكملة الازدهار الرأسمالي في البلدان العربية وبروز أزمة الأوبك وقضاء سنوات عديدة من التعايش السلمي المشترك مع الدولة الإسرائيلية والتوافق مع معادلات المنطقة التي تشكلت في ظل العالم الثنائي القطب الشرقي والغربي. إن الإسلام السياسي والقوموية العربية، الحاليتين تعتبران نتيجة وافراز للنظام العالمي الجديد ومرحلة انعدام الدولة وانبعاث السيناريو الأسود، واللذان بدأتا بالمقاومة بعد الحرب الامريكية وعسكريتاريتها. وإن كل ذلك تزامن مع فترة تشكل فيها في المجتمع العصري العربي قوة طبقية واسعة يرافقها اعتراض اجتماعي جبار متمثل باعتراض العمال والحركات النسوية، والشبيبة الداعية للتمدن والحداثة. لذا فإن تلك القوة الطبقية لا تبقى فقط خارج إطار المقاومة المسلحة للقوموية والإسلام السياسي وبرنامجهم وأمانيهم، بل إن ضرورة بقاء القوموية والإسلام السياسي يتطلب الوقوف بوجه الحياة العصرية لملايين البشر ومعاداة وقمع كل صوت معترض وكل نضال يهدف إلى الحرية والمساواة. إن المشروع السياسي وتجربة الدولة والقوانين والتقاليد البرجوازية العربية وحركاتها سواء كان في مرحلة المعارضة أو مرحلة الصعود للسلطة، قد أثبتت مئات المرات بأن الإسلام السياسي والقوموية العربية بمختلف أجنحتها وأحزابها يشكلون حركات وقوى رجعية وقمعية معادية للحرية والتمدن. وإن المقاومة المسلحة والنهج السياسي التي تمارسها تلك القوى حالياً لا يختلف عن ذلك الجوهر وتلك الماهية. ومن هذا المنظور، فإن الحركة التي ظهرت بأسم "المقاومة" من قبل الأحزاب ومختلف المجاميع والزمر الإسلامية والقوموية في العراق، سواء كانت بشكل "مقاومة شعبية" أو على شكل هجمات تشنها بعض المجموعات الصغيرة، ومن ضمنها "المقاومة الجهادية"، سواء كان مصدرها بقايا فلول النظام البعثي، أو تم تنضيمها عموماً من قبل ذلك الجزء من القوموية العربية الذي يعتبر نفسه مخالفاً للبعثيين، أو حتى إذا كانت ظهورها تلبيةً لنداءات زمر "الجهاد الإسلامي"، فإن مايسمى بمثل تلك المقاومة تعتبر فعلة رجعية ومعادية لأماني وتطلعات الجماهير وتتجه بشكل مباشر نحو قمع نضالهم السياسي والمتمدن والحضاري.

في هذه الأيام أصبحت مسألة الحكم ومستقبل الدولة العراقية محورا" لتحركات جميع القوى السياسية والطبقية داخل العراق، كما وإن مسألة "طرد القوات الامريكية" قد أصبحت هي الاخرى مسألة مشتركة بين الإسلام السياسي والقوموية العربية بكل أجنحتهما، وفي هذا الإطار فإن مسألة المقاومة تعتبر ميداناً لنشاطهما واتحادهما المشترك. ولكن إذا كانت القوموية العربية بكليتها تسعى من خلال شعار " تحرير العراق من الأجانب والمحتلين " إلى استعادة سلطتها وإعادة نفس النظام القومي سواء كان على الشكل البعثي أو بأي صورة اخرى، فإن الإسلام السياسي من خلال شعار " تحرير الأمة الإسلامية " و" حرب الشيطان الأكبر" تسعى إلى استغلال فرصة هزائم القوموية العربية لمعالجة مسألة مستقبل السلطة من المنظور الإسلامي وبناء السلطة الإسلامية. وعليه فإن مثل هذه الأهداف ومشاريع العمل التي يتطلع إليها كلا الطرفين بالإضافة إلى كونها تنسف أمن واستقرار ومعيشة وحياة الجماهير والتلاعب بكل ركائز المدنية للمجتمع العراقي وخلق أجواء الاغتيالات والتفجيرات لعرقلة نضال الجماهير، فأنها في نفس الوقت توضح بأن نمط السلطة والمستقبل اللذين تسعى إليهما معاكس لأماني وتطلعات جماهير العراق. إن تحرير جماهير العراق من الأوضاع الحالية والتقدم نحو مستقبل إنساني يتطلب من إحدى زواياه المهمة النضال بغية إدانة وافشال النهج السياسي للمقاومة التي تمارسها القوموية العربية والإسلام السياسي تحت شعار " طرد القوات الامريكية ".

 

الحزب الشيوعي العمالي العراقي والمقاومة:

حول شعار " خروج القوات الامريكية من العراق"

 

إن الحزب الشيوعي العمالي العراقي يرفض مقاومة القومويين والإسلاميين تحت أية تسمية كانت، ويعتبرها حركة رجعية. وفي نفس الوقت، يناضل من أجل فصل نضالات جماهير العراق ومطالبهم عن صف أحزاب وزمر هذه الحركات ومنهجهم. كما إن ذا الحزب يناضل ضد امريكا وعالمها الجديد من منطلق النضال الطبقي للعمال والكادحين وشعار الحرية والمساواة وبرنامج عالم أفضل، في حين أنه ينفي أن تكون التناحرات السياسية والاجتماعية الحالية للمجتمع العراقي منقسمة بين قطبي " الاحتلال ـ المقاومة ". ولاتحتل "الوطنية والدفاع عن أرض ومياه الوطن" أي موقع في تحليلاته. إن المقاومة الشرعية الوحيدة بالنسبة للحزب الشيوعي العمالي العراقي، تتمثل بالنضال من أجل الدفاع عن ركائز المجتمع المدني وعن كل منجزات حياة المواطنين والنضال الذي يهدف إلى ضمان الحرية والمساواة والرفاهية للجميع وحماية أمن المواطنين وحرمتهم الإنسانية.

إن التعبير عن الاحتجاجات والإضراب والمظاهرات، وانبعاث الحركة الجماهيرية المنظمة في الميدان، وحتى تنظيم الثورة والظفر بالسلطة السياسية من قبل الجماهير، تشكل ذلك المنهج الذي يحدد أشكال النضال السياسي والاجتماعي وحتى المسلح، للعمال والنساء والشباب والجماهير الكادحة بشكل حضاري ومتمدن ويدفعهم للالتفاف حول شعارات ومطالب واضحة وشفافة.

مما لا شك فيه إن الحزب الشيوعي العمالي العراقي يطالب بخروج القوات الامريكية من العراق، ولكن هذا الشعار لا يشكل بحد ذاته هدفاً بالنسبة للحزب. بل أن مسألة الحكم والظفر بالسلطة السياسية هو الذي يشكل هدفاً لهذا الحزب وللجماهير. وبسبب ذلك فإن امريكا وبقاء قواتها، يشكل مانعاً رئيسياً ليس فقط أمام تحقيق هذا الهدف، بل امام تحقيق اي شكل من أشكال الحرية وتحسين ظروف المعيشة.  وفي نفس الوقت فإن أية مستوى من المشاركة الجماهيرية مرهون بالوقوف أمام امريكا وسياساتها في العراق. إن جماهير العراق مستائة من الوجود الامريكي وتطالب بالخروج الفوري لقواتها من العراق، لأن امريكا كانت على امتداد السنوات المنصرمة مصدراً للحرب والمآسي والحصار الاقتصادي وحاليا" تلعب الدور الرئيسي في خلق السيناريو الأسود وظهور مختلف المجاميع والزمر الإسلامية والقومية، في الميدان. ولكن ذلك الاستياء والمطلب، الجماهيريين لا يعني الرغبة " بالقيام بالعمليات التفجيرية والتحرش المسلح والمقاومة كتلك التي جعلها الإسلاميون والقوميون منهجاً لهم. كما وأن النضال الجماهيري، من أجل طرد القوات الامريكية وتحقيق السلطة الجماهيرية، ومن أجل الحرية والمساواة والرفاهية، تشكل من إحدى زواياها الرئيسية مواجهة لصد المقاومين الإسلاميين والقوميين في ظل الأوضاع الحالية. لأن هذه القوى تشكل طرفاً في الحرب وفي تلك الأوضاع التي فرضها امريكا على جماهير العراق. أن جماهير العراق قادرة، من دون مقاومة هذه القوى، بل من خلال النضال الجماهيري المنظم في المجالس والمنظمات الجماهيرية الاخرى والوقوف في خندق واحد إلى جانب حركة جماهيرية ينهض بها دعاة الحرية والتمدن في العالم بوجه امريكا، ليس فقط على طرد القوات الامريكية بل ستكون قادرة أيضاً على تشكيل سلطتها وتحرير المجتمع من دائرة حرب الامريكيين والمقاومين.. وبهذا المنهج يناضل الحزب الشيوعي العمالي العراقي من أجل تحقيق ذلك الهدف ويرفع شعار " طرد القوات الامريكية ".