من "أنصار العمل القانوني" الى "المقاومين" تاكتيكين وجناحين أسودين للإسلام السياسي
الجزء الثاني والأخير
خسرو ساية
" أنصار العمل القانوني" و"المقاومون"
إن تسمية "أنصار العمل القانوني الإسلاميين" ليس من جانب أنهم يقفون خلف القانون، أو أن لديهم خصائص حزب قانوني ويريدون من خلال القانون، من قبيل الانتخابات والتصويت، الوصول الى السلطة، بل إن مثل هذا التصور حول "أنصار العمل القانوني من الإسلاميين" عديم المعنى، خصوصاً وأن لا الإسلام السياسي له مثل هذه الخاصية ولا أوضاع العراق الراهنة تضع أمامه مثل هذا الأسلوب. فالمجتمع العراقي الغارق بالسيناريو الأسود والذي لا توجد فيه لا دولة ولا قانون، قطع الطريق أمام الإسلام السياسي وجماعاته للقبول مضطراً بـ"عملية ديمقراطية" وقانونية تحت ضغط القوى المحلية والخارجية، بل إن ما يمنح هذا السلوك تسمية "القانونية" وقوف كل جماعات وأطراف الإسلام السياسي هذه الى جانب أمريكا وهي تسعى تحت مظلة "الاحتلال" ومن خلال تأييد ودفع مشاريع أمريكا السياسية الى الأمام للوصول الى السلطة. وكان أن بررت هذه الجماعات منذ البداية سياسة وقوفها الى جانب أمريكا ببحث عدم تناسب القوى وأعلنت أن المرحلة الحالية هي "ليست مرحلة النضال المسلح ضد القوات الأمريكية" وبهذا وجهت أنظارها الى المسار القانوني لـ"تسليم السلطة" والتعامل مع المخططات الأمريكية التي شكلت موضع بحث وجدال على صعيد العلاقات الدولية. وقد شكلت المشاركة في مجلس الحكم وقبول الحقيبة الوزارية المقترحة من قبل الأدارة الأمريكية وممارسة الدور الاستشاري لقوى الاحتلال في تهدئة الاضطرابات وحتى الظهور كوفود تفاوض وتقريب "المتمردين" من سلطات الاحتلال، شكلت النهج والتاكتيك الذي بلور جبهة غير معلنة من العديد من الجماعات الإسلامية المختلفة الشيعية والسنية، جبهة يمكنها أن تجمع المجلس الأعلى الإسلامي وشخصيات من مثل بحر العلوم في داخلها وصولاً الى حزب الدعوة والحزب الإسلامي العراقي والاتحاد الإسلامي الكردستاني والعديد من خطباء المساجد والعلماء والمراجع الدينية.. بمعنى آخر أن هؤلاء الواقفين خلف أمريكا و"الاحتلال" يرون أن هناك سلطة قانونية لأسلمة المجتمع، خصوصاً وأن "الاحتلال" والسلطة العسكرية لأمريكا، هي المصدر القهري الوحيد الذي أمسك بقانون عصور عدم وجود الدولة لتوزيع السلطة وإيجاد الدولة. أنصار العمل القانوني من الإسلاميين الذين يتحدثون دائماً باسم الديمقراطية والتعددية السياسية وتسامح المذاهب والأقوام، يعملون باتجاهين لفرض البديل الإسلامي: الأول هو أنهم في مجلس الحكم وبالتالي سيدفعون بمسار أسلمة المجتمع الى الأمام من خلال القانون، فقد كان اقتراح القرار (137) وتثبيت الشريعة الإسلامية كمصدر لقوانين الأحوال الشخصية ومن ثم تثبيت الإسلام في دستور البلاد المؤقت... نموذج لهذا الاتجاه القانوني. والثاني هو أن أمريكا وضعت في جدول أعمالها تأسيس الدولة التي تتطلع لها في مشروع قانوني باسم "تسليم السلطة للعراقيين" وهذا ما منح هذا الجناح من أجنحة الإسلام السياسي الفرصة كي يتخذ ضمن هذا الإطار لحسم قضية السلطة في العراق النهج والتاكتيك "القانوني".
وقد بلور جناح "المقاومون" المؤلف من مقتدى الصدر وجيش المهدي وصولاً الى أنصار الإسلام ومؤيدي بن لادن والجماعات المرتبطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله اللبناني، الصف المتقدم من قطب الإرهاب الإسلامي مقابل إرهاب أمريكا. وقد بلور هؤلاء هويتهم السياسية وممارستهم مقابل وجود أمريكا وظاهرة "الاحتلال" وجعلوا من تاكتيك الاستمرار بالحرب وتوسيع نطاق الإرهاب والتفجير والعمليات الانتحارية، وصولاً الى الاختطاف والقضاء الى المتبقي من أمن واستقرار المجتمع تحت تسمية "مقاومة الاحتلال"، جعلوا منها أسلوباً لفرض سلطتهم السوداء. ولكن وبعكس جناح "أنصار العمل القانوني" من الإسلاميين يسعى "المقاومون" من خلال امتطاء وحرف احتجاج وسخط جماهير العراق ضد الاحتلال والحرب وعسكرتارية الأدارة الأمريكية لاتخاذ استراتيجية عالمية في العراق للتعويض عن هزائم الإسلام السياسي بعد حرب أفغانستان.. وليس لهذا الجناح الذي ينتهج أكثر المناهج دموية وعداءاً للإنسان في المعادلات السياسية الراهنة في العراق، أية صلة بمقاومة جماهير العراق للخلاص من سيناريو الحرب والاحتلال وإقامة سلطة جماهيرية بل أن ممارساته السوداء تقف مباشرة بالضد من أمال وتطلعات جماهير العراق.
وقد برهنت أحداث الأسابيع القليلة الماضية في مدن وسط وجنوب العراق أن ممارسات الإسلام السياسي بجناحيه، "أنصار العمل القانوني" و"المقاومون"، سواء تموضع في الميدان بتاكتيك تأييد "الاحتلال" أو بتاكتيك "المقاومة" هي فقط وفقط اقتراح استراتيجية الإسلام السياسي لمستقبل مظلم، حيث لا يكون فيها أي مكان للمطالب الإنسانية والمدنية للجماهير، وليس هذا فقط بل جعل من البديل الاستبدادي الإسلامي والسلطة الدينية المظلمة هدفاً له.
الحزب الشيوعي العمالي العراقي والموقف من أجنحة الإسلام السياسي:
الشيوعية العمالية والحزب الشيوعي العمالي العراقي هما حركة وحزب تناهض وتقف بأقصى الدرجات ضد الإسلام السياسي دون تمييز بين هذا وذاك من الأجنحة والجماعات الإسلامية ودون تمييز بين هذا المذهب والمرجع أو ذاك. ولا ينبع هذا الموقف فقط من جانب أن للإسلام والإسلام السياسي رؤية أيديولوجية برجوازية خرافية ورجعية تتناقض مع العلم والعقل والمنطق والتقدم الاجتماعي، بل من جانب أن الحزب الشيوعي العمالي العراقي يعتبر الإسلام السياسي واحدة من أكثر الحركات البرجوازية المظلمة دموية ومعادة للإنسانية وتقف مباشرة في مواجهة حقوق وحريات ورفاه الجماهير وتقدم ومدنية المجتمع. الإسلام والإسلام السياسي أيديولوجيا وحركة عصور الأزمة السياسية والحكومية البرجوازية التي دخلت الميدان لإنقاذ سلطة البرجوازية والرأسمالية من خلال الإرهاب والرعب والقمع وإنكار أبسط حقوق وحريات الجماهير والهجوم على الراديكالية والتحررية. ويشكل فرض الاستبداد الأسود، الإعدام والسجن وإرهاب المعارضين السياسيين، معاقبة النسوة والأطفال بأحكام الرجم والبراقع وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، الإبقاء على الفقر والحرمان والتخلف وحرمان المجتمع من التقدم والتحضر والمدنية العالمية، سحق كل شكل من أشكال الحقوق والحريات الفردية والشخصية والقمع الدموي لرغبات وتطلعات وأماني الشبيبة... وعشرات المصائب الأخرى، تشكل جانباً من الجوانب البارزة لممارسات الإسلام السياسي السوداء المتخذة من قبل أجنحة وجماعات الإسلام السياسي بمستويات مختلفة سواء في مرحلة تسلطها أو في مرحلة وجودها في المعارضة والتي سممت بها المجتمع. يرى الحزب الشيوعي العمالي العراقي أن تأسيس مجتمع علماني ومرفه يعترف رسمياً بالأمن والاستقرار والحقوق والحريات للجميع، غير ممكن من دون شل الإسلام السياسي وإخراجه من الحياة والمصير السياسي للجماهير والمجتمع. حتى أن إحدى الجبهات الرئيسية لإنهاء السيناريو الذي يمسك بخناق جماهير العراق تتمثل بالتصدي للإسلام السياسي وما يمارسه في قلب أوضاع العراق الراهنة. ومن هذا المنظار فإن الحزب الشيوعي العمالي العراقي عرف نفسه كقوة ضد الإسلام السياسي، غير أن المضي أبعد من هذا الموقف الأصولي والمبدئي، يتموضع هذا الحزب، مقابل الإسلام السياسي والأيديولوجيا الإسلامية، ولإنقاذ المجتمع من هذا الوباء وشله وتقصير أياديه، ويناضل بجملة من السياسات والشعارات وفي العديد من المستويات، حيث تشكل الخطوط العامة لها ما يلي:
على الصعيد السياسي، يناضل الحزب الشيوعي العمالي لإنهاء هذا السيناريو الأسود والسلطة العسكرية لأمريكا وفي نفس الوقت من أجل إقامة حكومة علمانية غير قومية وغير دينية على أساس حقوق المواطنة المتساوية للجميع وترسيخ الحقوق والحريات الفردية والمدنية للجماهير وبإمكان ترسيخ شعار فصل الدين عن الدولة وميادين التربية والتعليم ضمن هذا الإطار وتثبيت كل ذلك في دستور البلاد الجديد أن يفرض تراجعاً سياسياً على الإسلام السياسي ويفتح أبواب المجتمع أمام مستقبل حر. أما على صعيد تحقيق وتوفير الأمن والقضاء على ظاهرة الإرهاب وقتل الناس يطالب الحزب الشيوعي العمالي بتدخل الجماهير المنظم ودخولها الميدان في التصدي لكل عمل إرهابي، وسيكون تسليم أمن المدن وأماكن عمل وحياة الجماهير للجماهير المنظمة والمسلحة في تلك المناطق نفسها ومن ثم إلزام كافة الأحزاب والقوى السياسية بوثيقة تشجب وتدين اللجوء لردود الأفعال المسلحة والأعمال الإرهابية والتفجير وتخرجها من جدول أعمالها، ستكون خطوة جدية لإبعاد مخاطر الإرهاب والإرهاب الإسلامي. وعلى الصعيد الأيديولوجي، بإمكان تنظيم حركة نقدية وتنويرية علمانية في مواجهة الأيديولوجيا الإسلامية وقيمها وأنماط السلوك التي تفرضها هذه الحركة على المجتمع، أن يمهد السبيل أمام مجتمع عقلاني ومتنور ومفتوح يدفع باللجوء الى الإسلام والأفكار الدينية الى الهامش. وفيما يتعلق بالصعيد الاجتماعي والاقتصادي، بإمكان تطبيق قانون المساواة بين المرأة والرجل وبناء نظام تربوي معاصر وطليعي، وتأمين العمل والمتطلبات الأساسية للحياة الاجتماعية لكل فرد وإنقاذ المجتمع من الفقر والحرمان والجهل والأمية.. بإمكانها أن تضيق المجال أمام الإسلام السياسي وتقضي على أسس تناميه وتطوره.
وعلاوةً على هذه التوجهات الواردة أعلاه، يناضل الحزب الشيوعي العمالي العراقي، في قلب الأوضاع الراهنة في العراق، لتحريض المجتمع باتجاه معادة الإسلام السياسي ورفض الأيديولوجيا الإسلامية والقضاء على الجماعات الإرهابية الإسلامية.