الحقائق الكامنة خلف مسودة الدستور!

 

خسرو سايه

k.saya@ukonline.co.uk

 

Text Box:  

أخيرا وبعد مرات عديدة من التأجيل والأخذ والرد، طرحت مسودة دستور غير كامل أمام "الجمعية الوطنية العراقية"، للتصويت عليها. ولكن أية قذارة ورجعية تكمن في مضمون ومواد هذه المسودة، بل أي سجن سيسجن فيه المجتمع العراقي إذا ما تم إقرار هذه المسودة! انها حقيقة واضحة للعيان ويمكن لأي شخص إثباتها بالقليل من الملاحظة والتأمل. ولكن وبمعزل عن هذه الحقيقة، فإن هذه المسودة ومثلما جاءت استمراراً للحرب والاحتلال الأمريكي ومسار ظهور العديد من الحركات الرجعية الإسلامية والقومية والسيناريو الأسود، تخفي خلفها العديد من الحقائق التي ينبغي كشفها بشكل جريء وتعريف الجماهير بها...

"الدستور التوافقي"، أمريكا ونضال جماهير العراق

من الطالباني والبارزاني الى رئيس البرلمان العراقي، وصولاً الى صف الكتاب الصغار المشاركين في صياغة مسودة الدستور، جميعهم يقولون أن هذه المسودة تم إعدادها بـ"التوافق" بين الأطراف وبناءاً على هذا فإن كل طرف ثبت فيها وضمَّنها مطالبه. إن هذه هي كذبة مفضوحة و"التوافقات" التي يجري الحديث عنها  وعدا عن أنها لم تحتضن "رأي" كافة "أصدقاء الأمس"، فإنها في نفس الوقت محض أنشوطة ضعيفة الشد أمكن عقدها بضغوط أمريكية تحت تسمية "التوافق". من يستطيع أن يسمي هذا السيناريو "عملية صياغة دستور بلد معين"، حيث تتورط حكومته والقائمون على كتابته في مأزق "المنطقة الخضراء" في وقت زجت فيه الجماهير بجحيم  القتل والاضطراب والإرهاب وانعدام الأمن!

 

ولكن ثمة حقيقة سياسية تكمن خلف "التوافق" المتحقق من مسودة الدستور. حقيقة أن أمريكا مضطرة للقفز على كافة جرائم الحرب والاحتلال والقتل والتقتيل والدمار وتشديد ضغوطها ليكون الأمر كما جرى الحصول على سبيل للخلاص من المستنقع الذي تتخبط فيه. ذلك أن أمريكا لم تأتِ الى المنطقة لاحتلال أراضي ومياه العراق والبقاء الى الأبد. فهدفها في العراق كان إخضاع منافسيها وفي العالم وبناء النظام العالمي الجديد. نظام يحقق من جانب واحد تفرد وهيمنة أمريكا في الشرق الأوسط بالأخذ بنظر الاعتبار المصالح البعيدة الأمد للشركات العالمية والاقتصاد الأمريكي. إن هذا وعدا عن الأوضاع الحالية التي تنتهي بالنسبة لأمريكا بصرف الكثير من المليارات سنوياً على جنودها وجيوشها، حيث يشكل هذا أضعاف مصاريف حرب فيتنام، ومن جانب آخر مقتل الجنود الأمريكيين، هذان هما العاملان اللذان يضعان يومياً حكومة بوش في مأزق بحيث لا يمكن القفز عليها مثل أحداث العراق. وإذن أمريكا مجبرة على إنهاء هذه المرحلة بالشكل الذي جرى وتشكيل حكومة ودولة من القوى التابعة لها وصنيعتها وفرضها على جماهير العراق تحت تسمية "إعادة السيادة للعراقيين". وهنا تكتسب وظيفة "الدستور التوافقي" ضرورتها. وظيفة ليست سوى إضفاء الشرعية والطابع القانوني على أوضاع العراق الحالية والسياسة التي اتخذتها أمريكا حتى الآن في العراق. وفي مثل هكذا حالة من الخطأ أن نبحث عن مصالح وحقوق وحريات جماهير العراق في مواد وفقرات الدستور، وبالمضمون الذي يحتويه. وحتى من الخطأ النظر الى الدستور بإخلاص وبرغبة في الإصلاح والنظر إليه كميدان لتحقيق أقل حقوق وحريات الجماهير.  على العكس من ذلك، أن نضال جماهير العراق لا يبدأ من الدستور ولا هو اساسا بمواجهة كتّابه وحكومته، بل إن الميدان والتحدي الرئيسي للجماهير هو الوقوف    

 بمواجهة أمريكا وكافة سياساتها. وهذا كميدان رئيسي لنضال الجماهير الثوري الذي يجسد نفسه من أجل إعادة المدنية وإعادة تنظيم المجتمع وإنهاء كافة الأوضاع الحالية. لا يمكن لجماهير العراق التطلع لتأمين حقوقها وحرياتها الى دستور بيد حكومة ودولة مازالت في أحضان الاستمرار بالحرب والاحتلال والإرهاب والتدمير والبؤس الاجتماعي وتحكم من فوق إرادة الجماهير.

 

إن حربا أغرقت فيها أمريكا المجتمع العراقي  بالدماء، بدأت أولاً باسم "عملية تحرير العراق" ومن ثم رُفِعَت لها راية الديمقراطية. وكأن هذا هو سبيل الخلاص من الدكتاتورية والوصول الى نظام ديمقراطي تعود فيه الحقوق والحريات الى الجماهير! غير أن أحداث العامين المنصرمين تكشف عن مسار معاكس تماماً: انهيار أسس المجتمع المدني، القتل والدمار، الحرب والإرهاب، البطالة والفاقة والحرمان، نمو الرجعية القومية والإسلامية، وصولاً الى بروز الطائفية والصدامات الدينية..كل هذه سحقت حياة المجتمع العراقي و كان رد أمريكا عليها  تشكيل دولة  تقوم في الأساس على جملة من الاختلافات المصطنعة العرقية والقومية والدينية والطائفية. ومن المقرر أن يقوم "دستور التوافق" على اساس توزيع كراسي هذه الحكومة والدولة التي تتمكن من البقاء فقط في ظل الدبابات والمدافع الأمريكية.  سيقوم هذا الدستور بالقضاء على الهوية الاجتماعية والمواطنة المتساوية لجماهير العراق وحقوقها وحرياتها. إن هذه هي الحقيقة الكامنة خلف مسودة الدستور الحالية ولهذا ينبغي إحباط سيناريو الدستور، ويجب أن يكون الرفض المؤكد لهذا الدستور خطوة لإخراج أمريكا وهزم التابعين لها.

 

"دستور التوافق" إمتيازات أكثر للإسلام السياسي

 

كما أشرنا فإن مسودة الدستور الحالية تعتبر من قبل الجميع نتيجة "توافق" معين، توصل إليه "العراقيون"!! ولنفترض أن هذا صحيح وأن أمريكا لم يكن لها أي تدخل وضغط في كتابة هذا الدستور، ولكن هذا "التوافق" المتحقق صار ممكناً على أساس الاعتراف بتقدم الإسلام السياسي. وان كتابة مسودة الدستور جاءت بعد التوافق على اعتبار الإسلام ديناً رسمياً للبلاد ومصدر للقوانين، وحتى جعله معياراً لتثبيت حقوق وحريات الفرد، هو كشف لحقيقة أن الإسلام السياسي هو الحاصد الرئيسي للإمتيازات داخل هذه القوى التي تقف خلف أمريكا. ولكن أي واقع سياسي أنتج هذا الأمر؟ هل أن الإسلام كما تروج له أمريكا ودول الغرب هو عقيدة أغلبية جماهير العراق؟ هل أن أغلبية جماهير العراق في الحقيقة تجد مكانها ضمن إطار الإسلام، كي يتم لهذا السبب منح الامتياز لمثلي الإسلام السياسي لتثبيت حكم الشريعة الرب في الدستور؟

إن الإسلام هو قطعة ألصقت بجسد المجتمع العراقي، ومن الناحية التاريخية، فإن مسار ظهور الحركة القومية العربية وحكومة الاستبداد البعثية التي هي في جوهرها حاملة للعقيدة الإسلامية و"حملتها الإيمانية"، هي من أبقى على الإسلام بالقوة في القوانين والثقافة الاجتماعية ومن ثم قولبت به مشاعر ووجود الجماهير من خلال تأسيس شبكات الجوامع ووزارة الأوقاف ومهنة الملالي وهذا ما قدم رأسمالاً كبيراً لخدمة الملالي وآيات الله والجماعات الإسلامية بعد الحرب. غير أن الإسلام السياسي وتقدم جماعاته هو، في جوانب عديدة، نتاج سياسة طبقتها أمريكا تجاه جماهير العراق. منذ البداية كانت امريكا هي القوة التي أمسكت بيد الجماعات الإسلامية وجعلت منها باسم "الشيعة والسنة" ممثلة لأقسام جماهير العراق، وبعد سقوط النظام البعثي، سلمتها السلطة ووضعت الإمكانات والوزارات تحت تصرفها. بعد ذلك أصبحت الحرب ذاتها و شيوع أوضاعا مضطربة أخرى، نزلت كبركة من السماء لتنامي وبروز التيارات الإسلامية في العراق. والأكثر من ذلك فإن تقسيم العراق وفق تقسيمات قومية ودينية وطائفية، منح فرصة للتيارات الإسلامي لتنظر الى نفسها كـ"القسم الأغلب" والدخول بهذا الاسم في الحسابات السياسية. وليست مسودة الدستور خارج هذه الحقائق. وسلم المجتمع الحضري وجماهير العراق المتمدنة بهذا الواقع بسبب البؤس والاضطراب والحرب والاحتلال الذي تتمكن فيه الجماهير حتى من ألتقاط انفااسها بحرية وامن واستقرار، وتحملت الإسلام كقطعة ملصقة بها. وإلا ليس أبسط من أنها ستزيل هذه القطعة الملصقة من جسدها   مع توفر ابسط أجواء من الحرية والطمأنينة والاستقرار و ستضعها في متحف التاريخ.

 

الحركة القومية الكردية والدستور، "التوافق" أم التنازل؟!

 

لقد كشفت مسودة الدستور كذب كل تلك الضجة والتصريحات التي أصم بها الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني أسماع الجماهير حول تثبيت "حقوق الكرد" في الدستور العراقي. وما قيل عنه أن مسائل الفدرالية و"حق تقرير المصير" وإعادة كركوك الى سلطة الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي ومسالة البيشمركة وسلطات إقليم كردستان..هي مجموعة النقاط التي لا يمكن المساومة عليها وتشكل "الخطوط الحمراء للحركة القومية الكردية" ويجب تثبيتها في الدستور برضا وقبول "الكرد"، ظهر أنها جميعها مجرد إدعاءات وأحاديث فارغة. وفي الحقيقة ما تمرره الحركة القومية الكردية في لعبة الدستور ومساومات الأطراف هو "التنازل" لا "التوافق" وما تم تقديمه لهم في جوهره ليس بأكثر من الحكم الذاتي لعام 1970 المقدم من قبل النظام البعثي. ولكن في هذه الحالة مازال  قادة الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي يدعون أن مسودة الدستور حققت 98% من "مطالب الكرد"! وهما مشغولان من جديد بإشاعة الأكاذيب لدفع الجماهير بأوهامها الى صناديق الاقتراع! و تكشف المسودةالحالية  وعبر جميع ممارسات الحركة القومية الكردية، حقيقة أن الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي ومن أجل مصالحهما وإضفاء الرسمية على سلطتهما الحالية، ولاستقطاع حصتهما داخل السوق والرأسمال العراقي، مستعدان لوضع كافة حقوق جماهير كردستان في هذا السبيل، ليس هذا فقط بل ويجرانها أيضاً الى ظل حكم السيف والشريعة الإسلامية. وهذه هي الخاصية التي جسدتها البرجوازية الكردية وأحزابها لسنوات طويلة. إن الضرر الذي ألحقته الحركة القومية الكردية وأحزابها في لعبة الدستور بجماهير كردستان أكثر تأثيراً بدرجات مضاعفة مقارنة بتجارب الماضي المريرة. فمن جهة تُجَر الجماهير الى ظل دولة رجعية قومية إسلامية وبهذا يُسَد عليها سبيل الحصول على الاستقلال والقرار على مصيرها الى مرحلة أخرى وتُسلَّم من الجهة الأخرى   حقوقها وحرياتها وحياتها الى الإسلام وسلطته القمعية. أليس هذا كافياً لتقف جماهير كردستان في مواجهة هذه الأحزاب والحركة القومية الكردية؟

 

مسودة الدستور وسحق "حريات وحقوق الجماهير"

قلنا أن المضمون الذي تحمله مسودة الدستور هو تسليم حقوق وحريات الجماهير ومجمل حياتها الى سجن الإسلام السياسي والنزعة القومية، وتسليم الجماهير الى حكم الشريعة والإعدام والقمع. ولكن ما جعلت منه علمية صياغة الدستور لعبة بين أمريكا والجماعات القومية والإسلامية والطائفية المتحالفة معها، هو غياب دور الجماهير. تنحية جماهير العراق جانباً والوقوف بوجه مشاركتها في صياغة الدستور كان بحد ذاته مخطط مسبق ظهر في إطار السياسة الأمريكية وحربها واحتلالها وطول يد الإسلام السياسي. ولهذا عدم الإقرار بحقوق وحريات الجماهير في الدستور هو نتيجة حتمية لهذه الحقيقة. هذا الدستور لم يسحق فقط كل حق من حقوق الجماهير وحرياتها، بل وإنه سلم تماماً إرادة ومصير المجتمع الى الملالي وزعماء الأقوام والطوائف والمذاهب، وسلمه الى النتائج التي تمخضت عن الحرب والاحتلال الأمريكي وتدمير حياة الجماهير وبؤسها. ولهذا فإن حقوق الجماهير وحرياتها هي خارج لعبة الدستور والسياسة التي تنشط أمريكا والقوى التابعة لها فيها. إن تحقيق المطالب الفردية والمدنية للجماهير مرهون بدور الجماهير نفسها. و إن حركة الجماهير لإنهاء الاحتلال وتقصير يد الإسلام السياسي والنزعة القومية وإزالة شرورها ومصائبها عن حياة المجتمع وفي خاتمة المطاف النضال لإعادة المدنية وإعادة بناء الدولة التي تشكل فيها الجماهير العنصر الفعال وصاحب القرار، بإمكانها أن تكون السبيل للوصول الى الحقوق والحريات.. هذه هي الحقيقة التي تطرحها مسودة الدستور امام جماهير العراق ومستقبلها.