الديمقراطية الأمريكية في زمن المتغيّرات
ينار محمد
ضمن دعاة الديمقراطية والتمدن في أميركا وبريطانيا ومن حذا حذوهما، ليس من طبقة متمدنة أو ديمقراطية سوى الطبقة العاملة التي ارتجلت الشوارع بالملايين اعتراضا على الحرب الظالمة ضد جماهير العراق. أما البرجوازية الحاكمة، فهي على استعداد لاقتراف أشنع الأعمال الوحشية والإجرامية تجاه الشعوب لغرض واحد ألا وهو الحفاظ السياسي والاقتصادي على كيان النظام الرأسمالي والذي ثبت شعاراته الدعائية ضمن النظام العالمي الجديد بنشر الديمقراطية والتخلص من أسلحة الدمار الشامل ومحاربة الإرهاب. ولعل تأييد أمريكا للبدائل الرجعية لمستقبل العراق يظهر مدى ديمقراطيتها وحرصها على مستقبل الجماهير؛ وهو التأييد الناجم عن حرص الرأسمالية في ضمان تحويل العراق الى سوق مضمون ومصدر للأرباح على حساب سحق وعبودية الطبقة العاملة.
في جميع أصقاع العالم تنمو جبهة إنسانية تتسع وتتوطد وتلتف حول اليسار والتجمعات العمالية بعشرات الملايين من الناس التي انطلقت بدفق مبهج لا نظير له في التاريخ واقفين وقفة الشرفاء في دفاعهم عن الطبقة العاملة المسحوقة في العراق والمستهدف القضاء على أي أمل لها بحياة طبيعية للعقود القادمة. كل هذا الغليان في العالم أجمع في الوقت الذي ما تزال المعارضة العراقية (المؤتمر الوطني العراقي) بجميع فصائله متمسكين بمواقفهم الرجعية بل والإجرامية بحق الجماهير في العراق وبنداءاتهم الشنيعة للحكومة الأمريكية بعدم التخلي عن الحرب ضد العراق ولا رفع الحصار الجائر المؤدي بالملايين نحو موت بطيء بل وأن البعض منهم يقيم الحفلات ابتهاجا بالحرب القادمة وبحجة إنها الطريق الوحيد للخلاص من صدام ونظامه الدموي. ومن الواضح أن مقتل مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء ثمنا لتغيير النظام ليس مما يثير اكتراثهم من قريب ولا من بعيد.
لئلا نقع في فخ إيلاء الأهمية لعملاء أمريكا المكشوفين، نعود مرة أخرى الى مصدر البلاء، الى أمريكا ومخططاتها. ماذا نرى نحن في أمريكا (المتطورة) و(الديمقراطية) و(المحرّرة لشعب العراق)؟ نرى نهجا عسكريا تسلطيا يهدف فرض هيمنة قائد النظام العالمي الجديد على العالم أجمع (وليس بالضرورة البتة أن يكون هذا القائد إنسانيا ومنصفا بل من الأفضل البرهنة للبرجوازيات الأخرى بمدى حجمها وضآلتها نسبة للماكنة العسكرية العملاقة والتي بنتها الحكومات المتعاقبة في أمريكا من جهود الطبقة العاملة المستغلة)، نرى تعاونا ودعما منقطع النظير مع جميع أعداء الحرية في العراق(من ضمنهم مساعدو صدام السابقون في عمليات الإبادة الجماعية)، نرى مخططا لتمكين جميع القوى الرجعية والقروسطية التي تمحو الآمال للنساء بمستقبل مقبول، وأخيرا نرى غطاءا قوميا لتسليط براثن الرأسمالية وغرسها عميقا في جسد الطبقة العاملة التي يتم إبعادها عن أهدافها الاجتماعية وبانشغالها بأوهام وأمجاد قوميات متصارعة فيما بينها تفصل الطبقة العاملة الى جماعات متناحرة.
ماذا ترى جماهير الطبقة العاملة الأمريكية في حكومتها؟ ترى سجّانا ومستغلا رهيبا يأسرهم منذ بداية الأزمنة الحديثة تحت عبودية العمل المأجور، ترى صقور الرأسمال تحلّق بعيدا هذه المرة باحثة عن ضحايا خارج حدود مقاطعتها محاولة منها نشر الموت والدمار على الشعوب المغلوبة على أمرها مستهدفة توسيع دائرة سيطرتها لتشمل العالم أجمع وخاصة البؤر المتوترة في العالم ليتم السيطرة عليها وربطها بالماكنة الرأسمالية تحت دعاو واهية بنشر الديمقراطية وتحرير الشعوب.
بعد اهتزاز العالم تأثرا بمظاهرات الخامس عشر من شباط 0320 بدأ الإعلام الأمريكي يراجع بعض الحلقات المنسية من التاريخ الأمريكي الحديث حول العصيان المدني الحاصل أثناء حرب فييتنام والهجوم على كمبوديا. بدأت بعض الصور بالظهور منها مقتل الطلاب الأربعة المتظاهرين عام 1970 في جامعة كولومبيا، مقاطعة أوهايو على أيدي شرطة الحكومة (الديمقراطية) وغيرها من الحلقات التي انتهت باعتراض الملايين مما لا يمكن تجاهله البتة حتى في أكثر الأنظمة دكتاتوريةً. وقد بدأت حاليا التجمعات على كافة أنواعها بالدعوة مرة أخرى للعصيان المدني بدءا من جماعات السلام الى الجماعات الكنائسية وانتهاء بالتجمعات اليسارية. كل هذا مما يضع العالم في عتبة التغييرات في المراحل التاريخية الحرجة، حيث من الممكن تنامي الأحداث بتسارع غير مسيطر عليه بدءا من عقر دار الرأسمالية.
أما في المدن والشوارع العراقية فقد يتحرك الغطاء عن غليان من الاعتراضات على أدنى الحقوق الأساسية التي حرمت منها الجماهير المسحوقة بقمع من سلطات البعث وانتهاءا بالمجاعة وفقر الغذاء المفروض من قبل الأمم والولايات المتحدة. هذا الغليان بدأ يزيد كما ويقترب من مرحلته الأخيرة حيث يتحول نوعا الى عصيان من نوع آخر، ثورة تقوم بها الطبقة العاملة تحت قيادة منظمة من حزب عمالي يسعى لتحرير هذه الطبقة من نير الطبقة الحاكمة والخلاص منها مؤبداً بعد أن جعلت العراق مسرحا قتاليا لكل من هب ودب. الشرط الأوحد في الحزب القائد للاعتراضات أن لا ينحرف الى مزالق ومهالك كالقومية والإسلامية.
تخللت المظاهرات العالمية ضد الحرب بعض الأحداث التي اختلقها هؤلاء المتسللين والذين يحاولون إجهاض الأصوات التحررية العمالية سعيا منهم الى تكريس بديل الدولة القومية لمستقبل العراق. وهو مفهوم قد يبدو عاطفيا يمت الى (التراث الحضاري) بصلة إلا أن حقيقة الأمر هي أن الدولة القومية أتت مقترنة بعهد انتصار الرأسمالية الحاسم على الإقطاعية. وتفسح الدولة القومية المجال لاستيلاء البرجوازية على السوق الداخلية التي يتكلم سكانها لغة واحدة في دولة واحدة والتي توفر حرية التبادل التجاري والتي تتوافق والرأسمالية الحديثة. إلا أن هذه الدولة القومية (الأمة) بمثابة شكل للحكم غير قادرة على القضاء على استثمار الأمم واضطهادها، بل هي في أغلب الأحيان أيديولوجية وأداة قمع وظلم القوميات الأخرى التي تصنف مباشرة على كونها في موقع أدنى من القومية (المختارة). كما أن التحالفات المشبوهة ما بين القوميين والإسلاميين والتي إن هدفت لشيء فهو تكريس واقع الطبقات وتمكين الرأسمالية من التحكم بالثروات التي ينتجها العمال ويصبح امتلاكها حكرا على البرجوازيين وكما أن الهدف الأهم هو إبقاء العمال في مستويات دنيا من الوعي الاجتماعي، الثقافي ، والطبقي تحت وابل من الخرافات التي تبث سما وتهدف سحق مصائرنا وتطلعاتنا بمستقبل أفضل.
كفى ما عانت منه الجماهير في العراق من أنظمة ترمي العمال في المحارق والموت تحت شعار الوطن والأمة والبوابة الشرقية.
كفى ما تحملناه في العقد الأخير من تخلف ورجعية الأساطير التي حان موعد التخلص منها وتحرير الإنسان وتوعية العامل الى طريق خلاصه الوحيد من الإستغلال.
ان بديل الجمهورية الإشتراكية هو بحق بديل الطبقة العاملة والنساء ومحبي الحريات والتطور نحو عالم أفضل, عالم تستحقه الناس في العراق بعد معاناة دامت ثلاثة عقود.