بعد مرور عام على دمار "التحرير"
ينار محمد
أصبح الموت احتمالاً قائماً في كل شارع وبيت ولعل من لعنة الفضائيات أن نرى ونعي بشكل يومي ومفصّل حجم المأساة التي نعيشها في ظل النظام العالمي الجديد. يغمرونا بوابل من الكذب اليومي حول خرافة التحرير وأكذوبة العيش في حرية ونعيم في ظل "الديمقراطية"، بينما نواجه الإهانات اليومية من كل نوع. إهانة البطالة والعوز الاقتصادي، وإهانة إرجاعنا الى زمن الفتوحات الإسلامية محاولين إغراقنا في مستنقع بؤس الانعزال عن العالم الخارجي. كل ذلك من الممكن تجاوزه والعمل على يوم أفضل ... ولكن كيف نتجاوز إحتمالية تهديد حياتنا بالموت من قبل إرهابيين ليس لديهم أي اعتبار لحياة البشر.
حياتنا اليومية بين قطبي الإرهاب ما بين التوقعات والوقائع ... بعد مرور عام كامل على الحرب، كان يُفترض حسب الوعود والتوقعات الساذجة والمغرضة لكل من طبّل وزمّر للفتح الأمريكي المُبيبن أن نكون غارقين في عز ونعيم في رفاهية واحة الديمقراطية. إلا أن مجريات الأحداث ويوما بعد يوم أثبتت كذب بل وحماقة كل من قال "فلتدخل أميركا وتقلب النظام... ولا يهم ما الذي يحصل من بعدها!". كان معظم هؤلاء من جماعات الإسلام السياسي الشيعة وكذلك أولئك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم من التقدميين الذين لم يمانعوا ان يدخلوا العراق مشياً فوق جثث الابرياء من آلاف المدنيين الذين وقعوا ضحية لهذا التغيير. وقد حصلوا على مكافآتهم الهزيلة إلا وهي كراسي مستهدفة من قبل الإرهاب ومحتقرة من قبل الجماهير.
وبعد عام كامل يرى المواطن والمواطنة أنفسهم في مكان آخر كلياً.
إرهاب الصباح ذو المعالم الواضحة من قبل الترسانة الأمريكية الحاكمة يتخذ طابع الاستفزاز المتمثل بقطع عسكرية وضباط صلفين مدربين على سلب حقوقنا المدنية اليومية. إذ أن الإحتلال الأمريكي الجديد آنذاك بدأ يصبح وباءً مزمناً مخاطره ومخاطر الهجمات ضده تزداد يوماً بعد يوم. بعد أن كان الجندي الأمريكي يلوح بيده فرحاً للأطفال ذهاباً وإياباً، قام يفرّغ محتويات بندقيته في رأس ذلك الطفل لكونه رفع لعبة بلاستيكية بشكل مسدس. وبدأت تتكرر حوادث دهس دبابة أمريكية لعائلة عراقية بأكملها خطأَ أم قصداَ أحياناَ. ولم تقتصر وحشية المحتل على المواجهات اليومية بل اتخذت نمطاً مؤسساتياً يكرّس السحق اليومي لحقوق وعيش المواطنين. ولعل عدم إكتراث الإدارة الأمريكية بالمطاليب المتواضعة للعاطلين عن العمل والنساء الأرامل أصحاب الأطفال وسكنة المجمعات الجديدة المحرومين من السكن، وجه وحشي آخراً للإحتلال الذي ترك الناس عرضة للجوع والتشرد دون تحمل مسؤوليته كونه سبب الشلل في المرافق الاقتصادية جمعاء.
ويظل إلإرهاب الليلي من قبل سلاطين الموت من تنظيمات القاعدة والبعث البائد السبّاق في قتل المواطنين الأبرياء. لو لم يوجد هذا القطب الثاني لكان من الممكن العمل ضد تجاوزات المحتل والتنظيم لنضال سياسي يدافع عن مصالح الجماهير ضمن أوضاع ثورية؛ والعمل السياسي لصد الهجمة الرجعية بطريقة أو أخرى؛ إلا أن الضربات الإرهابية الإجرامية اللامتناهية المميزة للسيناريو الأسود بدأت تكتمل معالمها بعد تجسد وتقوية صفوف القطب الثاني للإرهاب والذي جندّ قواه من جميع أنحاء العالم متجها الى العدو المحتل الأمريكي (الكافر). والتمت بذلك الضباع الكثيرة لمهاجمة الوحش الكاسر وللإنتعاش على رائحة ومنظر الدماء في كل مكان اعتقادا منها ان القتل المباح يمهد الطريق الى الجنة.
أما النتيجة العملية للطحن المستمر ما بين قطبي الإرهاب، فهي المئات من القتلى والآلاف من الجرحى المدنيين العراقيين الأبرياء
الحل يكمن في استيقاظ العملاق النائم. تتعامل بعض الأطراف مع الأوضاع بسطحية عندما يبسّطون أطراف الصراع السياسي الى طرفين لا ثالث لها. يغلطون عندما يستخفون بقدرات الملايين داخل العراق والبلايين خارجه من الجماهير المحبة للسلام والمتطلعة للحريات.
ما الذي تستطيع عمله قوات الاحتلال أمام الملايين فيما لو انتفضت ووقفت وقفة واحدة ضد التقسيم القومي والديني وظلم النساء وضد كل ما من شأنه أن يؤجج نار الطائفية والحرب الأهلية؟ وما موقفها إذا ما هبت هذه الملايين مطالبة بمغادرة الجيوش الامريكية من العراق؟
ما الذي يستطيع الإرهابيون الإسلاميون فعله من إجرام وقتل فيما لو أوقفت الملايين نفسها حائلاً أمام التجمعات المشبوهة لهؤلاء الإرهابيين؟ كم من الشباب المغرر بهم يلتحق بهؤلاء الإرهابيين فيما لو توفرت لهم فرصة التعرف على رؤية سياسية إنسانية تحارب الاستغلال وتدافع عن الحريات.
تفعيل دور الجماهيرالمليونية في محاربة شبح الإرهاب الإسلامي مهمة الناشطين الشيوعيين العماليين. من المهم إدراك دور الشيوعيين العماليين في ظل سيناريو أسود لا ينجلي سوى بمشاركة الملايين من الجماهير المدركة لرجس الإرهاب الإسلامي. هذه الملايين ترى يوماً بعد يوم الحزب الذي يدافع عن كافة قضاياها المصيرية وتدرك بنفس الوقت ماهية أصحاب اللحى الذين يختطفون قضية الجماهير ويحولونها الى أكوام من الأموال وذلك بعد ان يكونوا قد حرموا الشباب من السعادة والانطلاق والنساء من الاعتبار والقيمة الاجتماعية.
من دور الناشطين الشيوعيين العماليين التوضيح للجماهير ان ضعفهم أمام ضغوط شخوص الإسلام السياسي يبدأ بالإنغماس بالخرافات إلا أنه لا يتوقف هناك، بل هو كفيل بفتح فوهات البنادق والهاون تجاه كل من لا يرضخ للتعاليم والشعائر القروسطية المناهضة لطبيعة الانسان. إذ تبدأ اللحى قصيرة ومن ثم تمتد طويلة لتتجاوز على الحقوق والحريات والتطلعات ... وأخيراً تنصّب أنفسها ولية لمنح حق الحياة أو إنهاءها للبشرية جمعاء.
يعتمد خلاص الجماهير من هذا الارهاب على مدى انخراطها في صفوف نضال سياسي يحارب ويعزل هؤلاء الارهابيين من الساحات الاجتماعية ويفضح أهدافهم اللاإنسانية. ومن المميزات الأخرى لهذا النضال إنه لا يعرّف الناس على أساس هويتهم القومية والدينية والطائفية ولا يفرّق بين المرأة والرجل. نضال يسعى أيضاً لإنهاء التقسيم الطبقي الجائر ويفرض أوضاع الحرية والمساواة لتنتفع منه الملايين بدل القلة القليلة. إن هذا الأفق الشيوعي العمالي بجرأته وتحديه لجميع أنواع التنازلات أمام الرجعية الدينية والتمييز القومي التعصبي يليق بقيادة الجماهير والجماعات المحبة للحريات والسلام نحو السيناريو الابيض. تلعب هذه الجماهير والجماعات دور البطولة في سيناريو رفض خرافات موغلة في القدم والتخلف والوحشية كما وتستلم مقاليد الامور في يدها للتحرك في الخطوة التالية ضمن نضال سياسي لانهاء الاحتلال الذي فرض بقوة السلاح والضغط العسكري نظاماً لا يختلف كثيراً عن نظام البعث السابق في قلة اعتباره للإنسان وملء جيوبه بثروات الجماهير المسحوقة.